التحدث هو المهارة الثانية من المهارات اللغوية التي يكتسبها الأطفال بعد عملية الاستماع للغة ومحاكاتها من خلال الوسط الاجتماعي الذي يعيشون فيه وهذه المهارة هي المظهر الحقيقي لتحقيق تواصل جيد بين الفرد وبأفراد الجماعة اللغوية التي ينتمي إليها، كما أنها إحدى العناصر المهمة في عملية اكتساب السلوك الاجتماعي لا من خلال قدرة الفرد على نقل المعلومات والأفكار والخبرات إلى الآخرين فحسب بل من خلال تكوين المفاهيم التي يطالب الطفل بالتعرف عليها كمعان للوحدات اللغوية المختلفة التي يتعلمها عن طريق اتصاله بالآخرين، ومن خلال محاكاته لأنماط الأداء اللغوي الشفوي الذي يقلدهم فيه.
التحدث هو المظهر الحقيقي للغة، فإذا كانت اللغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، فإن الكلام هو الإطار العام الذي يوظف هذه الأصوات في إنتاج كلمات وجمل ذات معنى كما أن المتحدث يلتزم بمجموعة من القواعد والضوابط التي تحدد استعمال الأصول والصيغ والتراكيب وأساليب التعبير النحوية والدلالية والسياقية أو الحالية عند عملية التحدث.
ولعل وظيفة مهارة التحدث تبدو في أنها المهارة التي يمارسها الفرد في فترة مبكرة من حياته، هذه الفترة لا يستطيع فيها الطفل التمكن من الإمساك بالقلم والكتابة عما يدور بخلده أو تفكيره، كما أنه لم يصل بعد إلى درجة النضج الجسمي والعقلي التي تؤهله لممارسة النشاط الكتابي ممارسة كاملة، بعكس مهارة التحدث التي يمارسها في سنينه الأولى بدءاً بالمناغاة، ولذا فإن الطفل يعتمد في نشاطه اللغوي قبل التحاقه بالمدرسة على فني التحدث والاستماع دون غيرهما للاتصال بالآخرين، ومن ثم تتجلى أهمية فن التحدث في تمكين الطفل من الكفاءة الاتصالية وتتمثل هذه الكفاءة في تمكين الطفل مما يلي:
أولاً: الجوانب اللغوية، وتضم ما يلي:
1. علم الأصوات وعلم الإملاء: حيث إن التحدث يعين الطفل على اكتساب أصوات اللغة من الجماعة التي ينتمي إليها، كما أنه يتعود على طريقة التحدث وفق النظام العرفي الذي تواضعت عليه الجماعة اللغوية أو ما يسمى باللهجة، علاوة على ربطه بين الصور الصوتية للحروف والكلمات وبين صورها الإملائية ورسم هذه الصور في الذاكرة السمعية والبصرية في المخ لحين استدعائها، ويتضمن علم الأصوات ما يلي: (تعرف الأصوات المسموعة والتمييز بينها، إنتاج الأصوات المميزة للغة ما، وتتمثل في إنتاج الحروف الساكنة، وحروف العلة، والتنغيم المناسب للموقف، وإيقاع التحدث من حيث سرعة الكلام أو بطئه أو ما يسمى بالإيقاع).
2. النحو: أيضاً يكتسب الطفل النظام القاعدي للغته الشفوية، من خلال اكتسابه بشكل فطري آليات التركيب للجمل والعبارات التي يتحدث بها، كذلك دلالة هذه التراكيب على المعنى الذي يريد إبلاغه إلى الآخرين، فضلاً عن استخدام بعض الصيغ التطريزية للغة المتحدثة في تحديد المعنى المراد من استخدام للنبر والتنغيم، وكيفية اشتقاق الكلمات اشتقاقاً صحيحاً في ضوء القواعد الحاكمة للغة.
3 المفردات: يبدأ الطفل منذ بداية تعلمه للغة في اكتساب العديد من المفردات اللغوية التي يسمعها من والديه أو من المحيطين به، وعادة ما يدرك الكلمات الحسية التي لها كيانات مادية محسوسة بإحدى الحواس الخمس، ويقوم المخ الإنساني بتصنيف المفردات اللغوية في حقول دلالية، لكل حقل مجاله اللغوي الذي يندرج فيه، فهذه مفردات خاصة بالطعام، وأخرى ترتبط بالشراب وثالثة لوسائل المواصلات.
4. الخطاب (النصية): يتعلم الطفل كذلك كيفية إنتاج الكلمات والجمل والتراكيب للتعبير عن أشياء أو أفكار يريد تبليغها إلى الآخر، فالخطاب قول ذو خصائص نصية، لكنه يمثل في الآن نفسه نشاطاً يجب أن يخصص انطلاقاً من بعض شروط الإنتاج الموجهة سياقياً، فالخطاب نص موجه بسياق اجتماعي وثقافي يوجه الطفل في اختيار عباراته وكلماته عند تواصله مع الآخرين.
ثانياً: الجوانب الواقعية وتشتمل هذه الجوانب على ما يلي:
1. الوظائف: وتتمثل تلك الوظائف في الغايات التي يسعى الطفل لتحقيقها من جراء عملية التواصل مع الآخرين، أو بمعنى آخر الغرض الأساسي الذي يكمن وراء عملية الاتصال هل لطلب شيء أو إعلام بأمر أو اكتساب خبرة ... إلخ.
2. الاختلافات: وتتمثل في قدرة الفرد على التمييز بين المعاني المختلفة بناءً على الاختلافات اللغوية الموجودة في الحديث الذي يقال، علاوة على قدرة الفرد على تحديد المعنى العام للموضوع.
3 المهارات التفاعلية: تتضمن مهارات التفاعل تبادل الرسائل اللفظية وغير اللفظية بين الطرفين وذلك من خلال استخدام اللغة المنطوقة أو من خلال استخدام العلامات الإشارية المعينة على بلوغ الرسالة فضلاً عن استخدام أجزاء الجسم المختلفة في تدعيم هذا التواصل من تركيز بصر المستمع على المتحدث واستخدام تعبيرات الوجه وإيماءات الرأس في التعبير عن الاستحسان أو الاستهجان لما يقوله المتحدث، أو لترغيبه في مزيد من الحديث، أو للتعبير عن ضجره وتبرمه مما يقال.
4 الكفاءة الثقافية: وهذا الإطار يشير إلى قدرة الفرد على فهم السلوك من وجهة نظر أعضاء الجماعة وما تحمله من ثقافة مميزة لها عن بقية الجماعات الأخرى، كما أنه ييسر السلوك والتصرفات المختلفة بطريقة تقرها الجماعة الثقافية ولذا فالكفاءة الثقافية تركز على البيئة الاجتماعية للجماعة التي ينتمي إليها ويعيش بينها، وما تحمله هذه الجماعة من قيم ومعتقدات وأنماط سلوك وكافة أنواع الأشكال الثقافية الحاكمة لسلوك هذه الجماعة.
التحدث هو عملية يتم من خلالها إنتاج الأصوات مضافاً إلى هذا الإنتاج تعبيرات الوجه المصاحبة للصوت والتي تسهم في عملية التفاعل مع المستمعين، وهذه العملية عملية مركبة تتضمن العديد من الأنظمة منها النظام الصوتي والدلالي والنحوي؛ بقصد نقل الفكرة أو المشاعر من المتحدث إلى الآخرين.
ولذا فقد أشارت جيورجون وآخرون بأن عملية التحدث أشبه ما تكون بلعبة التنس، إذ يؤكدون أنه من المفيد أن نفكر في عملية المحادثة أو التحدث والاستماع باعتبارهما نظيران للعبة التنس، فالحديث في حد ذاته هو كرة التنس والمتكلم والمستمع هما لاعبان في هذه اللعبة، فالخادم اللغة يضرب التحدث إلى المتلقي المستمع الذي يصبح عندئذ ضارباً اللغة ويضرب الحديث مرة أخرى إلى الملقم المتلقي.
هذا بالإضافة إلى النغمة التي ينطق بها المتكلم اللغة، حتى تؤدي إلى فهم الكلام فهماً صحيحاً، ولذا فعملية التحدث بين شخص بالغ وطفل صغير هي عملية مشابهة للعبة الكرة مع طفل صغير، وعلى الكبار أن يؤدوا أكثر من عمل بتشغيل جولة واسترداد الكرة أو الحديث ورمي الكرة عملياً أو الحديث في آذان لاعب أقل منه خبرة.
والتحدث أو ما يطلق عليه اسم التعبير الشفوي هو ذلك الكلام المنطوق الذي يعبر به المتكلم عما في نفسه من هاجسة أو خاطرة، وما يجول بخاطره من مشاعر وإحساسات، وما يزخر به عقله من رأي أو فكر، وما يريد أن يزود به غيره من معلومات ونحو ذلك في طلاقة وانسياب مع صحة في التعبير وسلامة في الأداء، ولكن أيضاً من خلال استخدام اللغة المصاحبة (الإشارات الجسمية) وتتضمن: (درجة الصوت، التنغيم، سرعة الحديث، التأكيد على المعنى العام للموضوع).
كما أنه مهارة إنتاجية شفوية وهي مهارة تدرب الطلاب على الطلاقة، وتتحدد هذه المهارة بقدرة الطالب على التعبير عن نفسه بسرعة ودقة دون عوائق أو الجلجة أو هو القدرة على استخدام الرموز اللفظية لتعبير الفرد عن أفكاره ومشاعره بفاعلية، وبطريقة لا تؤثر على الاتصال ولا تستدعي الانتباه المفرط للتعبير عن نفسه أو للمتكلم.








اضافةتعليق
التعليقات