ما أروع مخلوقات الله من صغيرها إلى كبيرها، ومن حيوانها إلى نباتها تدل على عظمة خالقها وتقر بإبداع بارئها، ولو أمعنت النظر إلى الجرادة والنملة، وإلى الفراشة والنحلة، لرأيت من مظاهر تدبيرها عَجَباً، وتأملت في غرائب خلقها طرباً، لو فكرت في مجاري أكلها، في عُلُوها وسفلها وما في الجوف من أضلاع بطنها، وما في الرأس من عينها وأذنها، لقضيت من خلقها عجباً، ولقيت من وصفها نَصَباً، فالله تعالى الذي أقامها على قوائمها، وبناها على دعائمها، لم يَشْرَكْه في فطرتها فاطر، ولم يُعنه على خلقها قادر» (1) .
وسوف نأخذ مثالاً على ذلك (النحلة) التي هي رمز العطاء والشفاء، لقد كرم الله سبحانه النحل في كتابه الكريم، حين خصص الحق تعالى سورة في القرآن عرفت باسم (سورة النحل) والنحل واحدته (نحلة) تقع على المذكر والمؤنث. (والنحل) يُذكر ويؤنث، وجاء في القرآن بلغة التأنيث، قال تعالى: "وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون" (النحل: 68-69)
تفسير الآية الكريمة:
فالنحلة بفطرة الله تصنع خليتها على الشجر النابت في الجبال من دون أن يتعهدها أحد، أو تضعها على عرائش الشجر المزروع بين البيوت، حيث يتعهدها الناس، ثم تسعى إلى زهور الثمار فتمتص منها الرحيق وتدخله إلى بطنها وتحوله بخمائر اللعاب إلى عسل، ثم تضعه في عيون (نخاريب) الخلية السداسية، وتسدّ عليه بالشمع وقد أعطاها الله سبحانه قدرة كبيرة على الشم وعلى تمييز الألوان وعلى تقدير الأبعاد، فتترك الخلية وتسلك طرقاً بعيدة لا تضيع فيها عن الخلية بل ترجع إليها، وتخبر رفيقاتها العاملات بلغة الاهتزاز والدوران عن موضع الزهور، فيسعون إليها. وهذا العسل الذي تصنعه النحلة يكون مختلف الألوان من حيث اللون والطعم والفائدة الطبية، لأنه يكون ممزوجاً بنكهة النبات الذي استمد منه، فمنه بطعم اليانسون أو الكينا أو النباتات الجبلية. وعدا عن فوائده الجمة فإن كل نوع من أنواع العسل يعد دواء معيناً يفيد في علاج مرض معين وهذا هو المقصود من قوله تعالى: (فيه شفاء للناس).
الهداية الإلهية للنحلة
ولا يقتصر الوحي والإلهام الذي منحه الله للنحلة على ما ذكر فقط وأوحى ربك إلى النحل بل إنه يتعدى ذلك إلى كل مرافق حياتها وتصرفاتها، فقد وجد أن هناك قسماً معيناً من النحلات العاملات وظيفتها هزّ أجنحتها باستمرار لتهوية الخلية الغاصة بالأفراد والأعمال، وخاصة إذا ما ارتفعت حرارة الخلية في الصيد؛ فإذا زادت الحرارة عن ذلك ذهبت بعض العاملات وجلبت من خارج الخلية بخراطيمها الماء ورشته في أنحاء الخلية، فإذا هزت العاملات أجنحتها تولدت تيارات من الهواء تعمل على تبخير الماء، الذي يرافقه امتصاص الحرارة الزائدة، كما يحدث عندما نتعرق في الصيف.
فسبحان من علم النحلة كل ما تحتاجه في حياتها، وهداها لتأمين غذائها ودوام نسلها، فجعلها في الخلية على نظام فريد وترتيب عجيب، وقسمها إلى ثلاثة أنواع:
1- الملكة (اليعسوب) وهي لا تعمل شيئاً، وتنحصر وظيفتها في إنتاج البيض الذي يتكون منه الجيل الجديد. وهي تعيش عدة سنوات.
2- الذكور وهي كسولة أعدت فقط لتلقيح الملكة ودوام النسل وتعيش في الصيف فترة معينة فقط وعددها قليل بالمئات.
3- العاملات (أو الشغالات): وهي النحلات الإناث، وعليها تلقى كل أعباء العمل داخل الخلية وخارجها، وعددها كبير بالآلاف. وهي تعمل عملاً دؤوباً منذ لحظة وجودها ولا تعيش كثيراً؛ تعمل ستة أسابيع منها ٢١ يوماً داخل الخلية و ۲۱ خارجها ثم تموت.
لا عسل بلا عمل، عندما نلعق لحسة من العسل فنتذوق طعمها اللذيذ، فإننا لا ندرك مقدار الجهد الذي بذل لتكوين تلك اللعقة من الذهب الأشقر، فالعسل من حيث المبدأ يتألف من 80% من الماء، ومن 20%مواد أخرى، ويجب للحصول على لتر واحد منه أن تقوم النحلة بعدة آلاف من الرحلات في الأرجاء.
امتصاص الرحيق، تمتص النحلة العاملة الرحيق من الزهور بواسطة خرطومها، مستفيدة من الخاصة الشعرية، ثم تدفعه إلى فمها بواسطة عضلات البلعوم، ثم تعود إلى الخلية.
ونادراً ما يضع النحل السارح بالحقل حمله من الرحيق مباشرة في القرص الشمعي، بل إنه يعطيه لنحلة أخرى عاملة داخل الخلية أو أكثر، فإذا كان الرحيق من مرعى جديد وزعته على ثلاث أو أكثر من العاملات وهذه عند استلامها الرحيق تعامله معاملة خاصة بواسطة أجزاء الفم لتقلل من نسبة الماء فيه وتزيد من نسبة السكريات. تكرر هذه العملية عدة مرات خلال عشرين دقيقة. وأخيراً تمتص هذا الرحيق وبالتدريج، ثم تقوم بإفراغه في عيون الخلية المسماة (نخاريب) وهي مصنوعة من الشمع بشكل سداسي، ويكون الرحيق بذلك قد تحول إلى عسل غير ناضج، ثم تتولاه عاملة أخرى تقوم بتحريك أجنحتها أمام النخاريب وتوليد تيار هوائي لتبخير كمية أخرى من ماء العسل. وتستغرق هذه العملية حوالي ثلاثة أيام، إذا كانت درجة الحرارة من (٢٥ - ٣٠) في الخلية، وكانت التهوية جيدة، وعندها يصبح العسل ناضجاً ثم تقوم العاملة بتغطية النخروب بغطاء رقيق من الشمع وتكون درجة تركيز السكريات في الرحيق ٤٠ وفي العسل غير الناضج 60% وفي العسل الناضج حوالي 81%.
أما الشمع الذي تصنع منه العاملات النخاريب السداسية فهي تفرزه من غدد واقعة بين حلقاتها الأربعة البطنية، وذلك بعد أن تتغذى جيداً بالعسل الذي ادخرته.
لغة النحل: النحلة السارحة عند عودتها إلى الخلية قادرة على إعلام رفيقاتها عن نوع الجني الذي اكتشفته، وعن الوجهة والمسافة التي يتوجب اتباعها طيراناً للعثور على الكنز. ويتم ذلك بواسطة حركات راقصة، وهي نوعان: الرقصة الدائرية للبحاء للاخبار بوجود غذاء قريب, الأول: رقص دائري إذا كانت المسافة لا تبعد عن الخلية أكثر من ٥٠ متر وتتم بدوران النحلة حول نفسها في دائرة ضيقة مغيّرة اتجاهها نحو اليمين واليسار، والثاني: هو الرقص الاهتزازي إذا كانت المسافة أكثر من ٥٠م، ويتم بسير النحلة في خط مستقيم وهي تحرك بطنها بسرعة من جانب إلى آخر، ثم تتحرك في قوس نحو اليسار، لتعود للسير في خط مستقيم ثم تتحرك في قوس لليمين.
أما لتعيين الاتجاه نحو المكان فتعتبر النحلة الرقصة الثانية لتحديد خبر وجود غذاء بعيد کاتجاه مبدئي موضع الشمس في السماء، ففي حالة الرقص الاهتزازي ترفع رأسها شاقولياً بزاوية فإذا رفعته إلى الأعلى تماماً دل ذلك على أن المكان باتجاه الشمس وإذا كان اتجاه رأس النحلة يميل ٦٠ درجة إلى يسار الشاقول فان مصدر الغذاء يقع بزاوية ٦٠ درجة إلى يسار جهة الشمس، فالشمس تعتبر بمثابة بوصلة للنحل.
تمييز النحلة للألوان: للنحلة عينان مركبتان على جانبي الرأس تغطيان مساحة كبيرة، وتتكون العين المركبة من عدة آلاف من العديسات البسيطة، وبذلك تستطيع النحلة الرؤية في جميع الاتجاهات، وتستطيع عين النحلة أن ترى الزهور من بعد، وقد أعطاها الله تعالى ميزة تفوق بها الإنسان، وهي قدرتها الكبيرة على تمييز الألوان، وذلك كي تميز بين أنواع الزهور. فمثلاً وجد أن النحلة تستطيع أن تميز بين سبعة أنواع من اللون الأبيض يراها الإنسان لوناً واحداً.








اضافةتعليق
التعليقات