هل العقل الباطن هو الفطرة بعينها؟
يقول المفسر الكبير السيد محمد حسين الطباطبائي: «المعقولات التي هي سمة ذاتية للعقل، ولا علاقة لها بوجه من الوجوه بالحس والإحساس».
ويقول تلميذه الشيخ جوادي الآملي: «المقصود من كون بعض المفاهيم الحصولية والقضايا الذهنية فطرية هو كونها غير مكتسبة... وبناءً على هذا فالفطري وغير الفطري مساوٍ للبديهي وغير البديهي».
وما دام العقل الباطن مكتسبًا (وأقصد ما فيه)، فهو غير الفطرة إذًا. وعلى هذا فكل إشكال يقول بأن الاعتراف والإيمان بالعقل الباطن ينافي ويعارض فطرة التوحيد لا محل له. وفي كتاب «الإسلام يتحدى» يقول مؤلفه: «واللاشعور الإنساني من الوجهة العلمية فراغ في أصله، لا شيء فيه قبل مولد الإنسان، وإنما يستقر فيه عن طريق الشعور ما يشغله الآن؛ لأن (اللاشعور) ليس سوى مخزن للمعلومات والمشاهدات التي شاهدها الإنسان في حياته، ولو مرة، ومن المستحيل أن يختزن حقائق لم يعلمها من قبل».
وفي حديث عن النبي الأكرم (ص) يقول فيه: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه أو ينصرانه»، وهو واضح في كون الفطرة غير الدين المكتسب الذي يكتسبه الإنسان ويعتقد به قبل تعقله.
وفي حديث عن الإمام الباقر (عليه السلام) يقول فيه: «فطرهم على المعرفة به»، وفي نهج البلاغة: «وكلمة الإخلاص فإنها الفطرة».
العقل الباطن في اصطلاحات أخرى
وقد يُعبَّر عن العقل الباطن باصطلاحات أخرى من قبيل:
القوة الحيوانية الحسية.
الوهم.
الحس المشترك.
القوة المصوِّرة.
القوة الحافظة.
القوة المتصرفة.
القوة العاملة.
العقل العملي.
الخيال.
«إن هذه القوة هي خزانة الصور التي يكتسبها الحس المشترك من خلال الحواس الظاهرة وتحفظ فيه».
وقال: «أما مرتبة الخيال فهي المرتبة التي تبدأ من حيث ينتهي الإدراك الحسي؛ لأن هذا الإدراك يخلّف أثرًا في النفس، أو بتعبير القدماء: إنه بعد ظهور الصورة الحسية في الباصرة -مثلًا- تظهر صورة أخرى في قوة أخرى من قوى النفس تسمى بالخيال، وبعد أن تنمحي الصورة الحسية فإن الصورة الخيالية تبقى على حالها، ويستطيع الإنسان أن يستحضرها في أي وقت يشاء، وبهذا الطريق يستطيع أن يتصور الشيء الخارجي».
وفي دائرة معارف القرن العشرين: «الحافظة والذاكرة قوتان في النفس مثل سائر القوى العقلية، الوظيفة الأولى كالخزانة لما تدركه النفس، وجميع ما يرد على العقل سواء كان من الجزئيات أو من الكليات فيُحفظ في النفس بتلك القوة.
أما الذاكرة فهي القوة التي يمكن لها استحضار ما كان كامنًا في الحافظة.
أما التحليل فهو قوة في النفس تستطيع بها أن تستورد من الشيء الواحد جميع ما يلابسه من المضار والمنافع والمحاب والمكاره، فمتى أريد تقوية هذه القوة وجب أن تكون الحافظة قد احتوت على المقدار الكافي من الصور الجزئية، وأن تكون الذاكرة مستعدة للقيام بوظيفتها، فعند ذلك يكون عمل الخيال سريع التلبية لنداء إرادة التخيل».
وفي كتاب «الحاسة السادسة»: «استند الفيلسوف (آرثر شوبنهاور) في كتابه (العالم كإرادة وفكرة) على بحث تناول قوة خفية أسماها (الإرادة) (Will)، فقال إن هذه الإرادة تتحكم في سلوك المرء دون أن يشعر بها، كأنها رجل أعمى قوي البنية يحمل على كتفيه رجلًا ضعيفًا مبصرًا.
ثم استبدل (فون هارتمان) عام 1869م كلمة (الإرادة) بمصطلح (العقل الباطن) (Submind)، ووصفه بأنه شيء عظيم الذكاء والمهارة والمقدرة، وهو جوهر الإنسان وخبيئته، وإنه الأساس المكين لعالمنا الواعي الملموس.
وأسماها الفيلسوف (وليم جيمس) بـ(النفس المختبئة)، ووصفها بأنها مصدر الإبداع والإلهام الذي تواصل معه جميع العظماء الذين عملوا في مجال الإبداع الفكري».
وقد يطلق الحس الباطن في اصطلاح المناطقة على العقل الباطن، والحس الباطن خمسة أنواع أيضًا:
الحس المشترك.
قوة الخيال.
القوة الواهمة.
القوة الحافظة.
القوة المتصرفة.
أما الحس المشترك فهو القوة التي ترسم فيها صور الجزئيات المحسوسة بالحواس الظاهرة، فتحكم مثلًا بأن هذا الأحمر مذاقه حلو، وهذا الأسود حار، ونحو ذلك.
أما قوة الخيال فهي قوة تحفظ ما يدركه الحس المشترك من صور المحسوسات بعد غياب المادة، بحيث يشاهدها الحس المشترك كلما التفت إليها. فهي خزانة للحس المشترك، وبها تحكم النفس بأن ما شوهد ثانيًا هو الذي شوهد أولًا، فيحصل بها التمييز بين النافع والضار، والعدو والصديق، والعادل والظالم، ونحو ذلك.
أما القوة الواهمة فهي قوة من شأنها إدراك المعاني الجزئية المتعلقة بالمحسوسات، والتي لا مادة لها ولا مقدار، كحب الأبوين وشجاعة زيد. وبهذه القوة تدرك الشاة عداوة الذئب وتهرب منه، ومحبة الولد فتعطف عليه.
أما القوة الحافظة فهي قوة تحفظ ما تدركه القوة الواهمة من المعاني الجزئية، فتكون خزانة للقوة الواهمة، كقوة الخيال للحس المشترك.
أما القوة المتصرفة فهي قوة من شأنها التصرف في الصور والمعاني بالتركيب والتفصيل، كأن تتصور صورة إنسان ذي رأسين، أو صورة إنسان بلا رأس. وهذه القوة إذا استعملها العقل في المواد الفكرية تسمى «القوة المفكرة»، وإذا استعملها الوهم في الصور الخيالية تسمى «القوة المتخيلة».








اضافةتعليق
التعليقات