حملته بين كفيها بحذر بالغ كأنه قطعة ضوء صغيرة تخشى عليها من الانطفاء، ثم وضعته داخل سريره الزجاجي الصغير بعد أن هيأت له كل ما يحتاجه ليواصل نبضه الهش طريقه نحو الحياة.
جلست (صفاء) الممرضة في ردهة الخدج الخاصة بحديثي الولادة بمحاذاة الحاضنة تراقب أنفاسه المتقطعة وتنتظر مع والدته معجزة النجاة فهو لم يكمل شهره الثامن بعد.
خلف الزجاج كانت أمٌ منهكة تحدق بصغيرها بعينين يغمرهما الخوف والدعاء فيما تحاول صفاء أن تزرع في قلبها بعض الطمأنينة فترسم على شفتيها المتعبتين ابتسامة دافئة، علها تعيد لتلك الأم شيئا من الأمل… وشيئا من الحياة.
رسالة إنسانية
في كل ردهة مستشفى وخلف أبواب الطوارئ وصالات العمليات وأقسام الخدج والعناية المركزة، يقف الممرضون والممرضات ساعات طويلة بين الحياة والموت، حاملين رسالة إنسانية عظيمة لا تعرف التعب رغم قسوة الظروف وضغط العمل والمخاطر اليومية.
فهم أول من يستقبل المريض وآخر من يطمئن عليه، يخففون ألمه بكلمة ويمنحونه الأمل بابتسامة، بينما يخفون خلف ملابسهم البيضاء إرهاقا نفسيا وجسديا لا يراه أحد.
في اليوم العالمي للتمريض (بشرى حياة) تسلط الضوء على أصحاب المعاطف البيضاء وابطال الردهات تكريما لمهنتهم الانسانية النبيلة التي تمثل العمود الفقري للمؤسسات الصحية تقديرا لما يقدموه من جهد في عملهم داخل القطاع الصحي من ممرضين ومسعفين لاسيما في الأقسام الحرجة التي تتطلب جهدا استثنائيا وصبراً لا ينتهي.
الكوادر التمريضية
حدثنا الممرض الجامعي علي عباس في قسم الطوارئ قائلا:
نعمل تحت ضغط كبير يوميا فالحالات الطارئة لا تتوقف وأحيانا نستقبل أعداداً كبيرة من المصابين خلال وقت قصير ومع ذلك نحاول أن نحافظ على هدوئنا لأن أي خطأ بسيط قد يهدد حياة المريض.
فيما قالت ابتهال عمار ممرضة خافرة: التعامل مع المريض يتطلب صبراً كبيراً خصوصا لكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة والأطفال واكثر ما يتعبني هو المرافق أكثر من المريض إذ يتدخل بعضهم بالإجراءات التمريضية مما يسبب تعطيل بالعمل لأننا نضطر أن نشرح له تفاصيل عملنا لإقناعه بما يناسب حالة مريضه.
صالة العمليات
وتنقل هبة عبد العباس تجربتها في صالة العمليات قائلة: أصعب مكان هي صالة العمليات يكون العمل فيها عالي التركيز وأحيانا يستمر لساعات فهناك عمليات تكون مطولة ويكون دورنا ساند إلى الطبيب لذلك يعد جزءا من نجاح العملية ورغم التعب نشعر بالفخر والسعادة حينما نساهم بإنفاذ حياة مريض.
من جانب آخر يقول باسم سلمان الغانمي/ مسعف صحي: في الحوادث والطوارئ نكون أول الواصلين إلى المصابين وغالبا نواجه مشاهد صعبة جدا لكن طبيعة عملنا تفرض علينا السيطرة على مشاعرنا لإنقاذ الأرواح.
وفي بعض الأحيان نفقد المصاب قبل وصولنا إلى المشفى لأن حالته تكون حرجة جدا وهذا أكثر موقف يؤلمنا.
مخاطر الممرضين والمسعفين
وقال مسؤول التدريب التمريضي مصطفى سدخان في مستشفى الامام الحسين (عليه السلام) التعليمي في مدينة كربلاء المقسدسة:
إن الملاكات التمريضية تمثل العمود الفقري للمؤسسات الصحية، لكون الممرض الأقرب إلى المريض والمرافق له على مدار الساعة.
مؤكداً: أن مهنة التمريض شهدت تطوراً كبيراً مع التقنيات الحديثة، ولم يعد دور الممرض يقتصر على إعطاء العلاج فقط، بل يشمل التقييم والمتابعة والتدخل السريع وإنقاذ الحياة.
وأضاف: أن اليوم العالمي للتمريض يعد مناسبة مهمة لتسليط الضوء على الجهود الكبيرة التي تبذلها الملاكات التمريضية، خاصة في ظل ساعات العمل الطويلة والضغوط المستمرة، مبيناً أن المهنة رسالة إنسانية تتطلب العلم والصبر والإخلاص.
وأشار إلى، أن الكوادر التمريضية تؤدي أدوارا محورية في مختلف الأقسام، لاسيما العناية المركزة والطوارئ وردهات الخدج وصالات العمليات، حيث تتطلب تلك الأقسام مهارات دقيقة وسرعة استجابة عالية للحفاظ على حياة المرضى وضمان سير العمل داخل المؤسسات الصحية.
وبين أن من أبرز التحديات التي تواجه الملاكات التمريضية ضغط العمل الناتج عن زيادة أعداد المرضى مقابل الحاجة إلى رفد المؤسسات الصحية بمزيد من الكوادر، إضافة إلى المناوبات الليلية والتعامل المستمر مع الحالات الحرجة، فضلاً عن بعض التجاوزات التي يتعرض لها الممرضون من قبل مرافقي المرضى.
وأوضح أن إدارات التمريض تعمل على تطوير مهارات الملاكات عبر الدورات التدريبية وورش السيطرة على العدوى والإنعاش والسلامة المهنية، مشيراً إلى وجود تحسن واضح في نظرة المجتمع لمهنة التمريض، مع الطموح إلى تحقيق تقدير أكبر لما يقدمه العاملون في هذا المجال.
ختم حديثه بالتأكيد على أهمية دعم الملاكات التمريضية وتوفير بيئة عمل مناسبة وتوسيع برامج التدريب والتخصصات الدقيقة، بما يواكب التطور العالمي في القطاع الصحي ويرتقي بمستوى الخدمات المقدمة للمرضى.
اليوم العالمي للتمريض
يحتفل باليوم العالمي للتمريض في الثاني عشر من أيار مايو من كل عام تزامنا مع ذكرى ولادة رائدة التمريض الحديث (فلورنس نايتنغيل)
التي كرست حياتها لرعاية المرضى خلال الحروب وأسست مبادئ التمريض الحديثة القائمة على النظافة والعناية الصحية والاهتمام بالمريض إنسانيا ونفسيا، وقد اعتمد المجلس الدولي للتمريض هذا اليوم مناسبة عالمية للاحتفاء بالممرضين وتسليط الضوء على دورهم الكبير في حماية صحة المجتمع، فضلا عن المطالبة بتحسين بيئة العمل وتوفير الحماية والدعم النفسي والمهني لهم.
بداية الفكرة
تعود بدايات التمريض إلى الحضارات القديمة إذ كانت العناية بالمرضى تتم بصورة بدائية داخل المنازل والمعابد، ثم تطورت تدريجيا مع تطور الطب لكن الانطلاقة الحقيقية لمهنة التمريض جاءت في القرن التاسع عشر على يد (فلورنس نايتنغيل) التي أحدثت نقلة نوعية في أساليب الرعاية الصحية أثناء الحروب بعدما اهتمت بنظافة المستشفيات وتنظيم الرعاية الطبية ما ساهم في تقليل نسب الوفيات بين الجنود، ومنذ ذلك الوقت تحول التمريض إلى مهنة إنسانية وعلمية تعتمد على الدراسة والتدريب والخبرة العملية.








اضافةتعليق
التعليقات