حين تلتقي الأمومة بالطموح تنسج لنا حكايات يملؤها الإصرار، حكايات لأمهات يحملن أطفالهن ويحملن معهن حلم التخرج. فبين أروقة الجامعة تجلس العديد من الطالبات على مدرجات الدراسة، هن طالبات وأمهات في الوقت ذاته، ترافقهن مسؤوليات مطوية بين محاضراتهن، يتسلحن بالتحدي والصبر ليعتلين منصة النجاح والفخر بعد أن عشن معادلة صعبة بين الأمومة والعلم، لكنها ممكنة.
بداية مختلفة
هناك العديد من الفتيات، لأسباب متعددة تتراوح بين العادات الاجتماعية والظروف الاقتصادية، يتركن مقاعد الدراسة ليصبحن بعد حين زوجات وأمهات. بعضهن يرفضن التخلي عن أحلامهن الجامعية فيعدن إلى مقاعد الدراسة وهن يحملن لقب أم.
وهذا ما حصل مع بيداء شاكر كاظم، التي تزوجت بعمر الخامسة عشرة لتصبح أمًّا لخمسة أولاد، إلا أنها عادت لتكمل دراستها رغم كل التحديات التي واجهتها. تبدأ بيداء يومها باكرًا، تحضر طفلها وتنهي واجباتها المنزلية، ثم تتجه إلى الجامعة، وهناك تحاول التركيز في المحاضرة رغم تعب السهر أو قلقها على طفلها في المنزل.
وتسرد لنا قائلة: أحيانًا أحضر المحاضرة وأنا أفكر: هل أكل طفلي؟ هل نام؟ لكني أقاوم لأجل مستقبلي ومستقبله.
تحديات مضاعفة
وتنقل الطالبة تقى الموسوي، مرحلة ثانية كلية التربية، رأيها بهذا الجانب:
لا تقتصر التحديات على الوقت فقط، بل تمتد إلى الضغط النفسي ونظرة المجتمع وأحيانًا قلة الدعم. فبعض الطالبات يواجهن صعوبة في التوفيق بين الدراسة وتربية الأطفال، خاصة مع غياب الحضانات داخل الجامعات أو الدعم الأسري الكافي، كما أن الإرهاق الجسدي والنفسي يشكل عائقًا حقيقيًا، خصوصًا في فترات الامتحانات.
أنا عن نفسي اتفقت مع خطيبي على تأجيل الزواج إلى ما بعد التخرج.
دور الأسرة
بينما تحدثت أمل جاسم علوان عن دور الزوج والأسرة قائلة:
تلعب الأسرة دورًا محوريًا في نجاح هذه التجربة، فوجود زوج داعم أو أم تساعد في رعاية الطفل قد يكون الفارق بين الاستمرار أو الانقطاع عن الدراسة، كما أن بعض الجامعات بدأت تُظهر مرونة أكبر من خلال تفهم ظروف الطالبات الأمهات، وهو ما يفتح باب الأمل أمام كثيرات.
وقد كنت أمًّا وطالبة، وكان زوجي يشجعني على إنهاء دراستي ويشاركني كل نشاطات الجامعة، وكان لعائلتي دور مهم؛ فأمي كانت تهتم بطفلي الرضيع، بينما ابنتي الكبرى كانت برعاية أم زوجي، ولأنها سيدة كبيرة في العمر لا تقوى على رعاية طفلين.
بيئة داعمة
وترى الاختصاصية النفسية ضمائر سلمان أن الجمع بين الأمومة والدراسة في سن مبكرة يضع الفتاة أمام ضغط نفسي مضاعف، إذ تعيش مرحلتين انتقاليتين في وقت واحد: مرحلة النضج الشخصي ومرحلة تحمل مسؤولية طفل.
وتشير إلى أن هذا التداخل قد يؤدي إلى القلق والتعب الذهني، خاصة في حال غياب الدعم، وتؤكد أن وجود بيئة داعمة، سواء من الأسرة أو الجامعة، يسهم بشكل كبير في تعزيز التوازن النفسي.
وختمت حديثها: إن الطالبة الأم ليست ضعيفة، لكنها تحتاج إلى تفهم حقيقي لظروفها حتى لا تتحول الضغوط إلى عائق دائم في حياتها.
تقاليد متوارثة
وتضيف أن دعم الطالبة الأم لا يجب أن يكون فرديًا فقط، بل مؤسساتيًا أيضًا، من خلال توفير تسهيلات داخل الجامعات، مثل المرونة في الحضور أو توفير حضانات. فتمكين المرأة المتزوجة من إكمال تعليمها لا يخدمها وحدها، بل ينعكس على الأسرة والمجتمع بأكمله.
قوة الإرادة
في زوايا الجامعة، هناك قصص صامتة تستحق أن تُروى، وعلى الرغم من بعض الانتقادات أو الاستغراب الذي قد تواجهه الطالبة الأم، إلا أن قصتها تعكس قوة وإصرارًا استثنائيين، فهي لا تدرس لنفسها فقط، بل لتصنع مستقبلًا أفضل لطفلها أيضًا.
فالأمهات اللواتي في حضرة الجامعة لسن مجرد طالبات عاديات، بل نماذج حقيقية للكفاح، كتبن مستقبلهن بأيديهن وهن يحملن على أكتافهن مسؤولية الحياة.








اضافةتعليق
التعليقات