من أثمن الهدايا التي يمكن أن يقدمها الوالدان والمربون للطفل هي بناء شخصية قوية، متزنة، وقادرة على مواجهة العالم بثقة، ومع ذلك يقف "الخجل" عائقاً خفياً في طريق نمو الكثير من الأطفال، حيث يكبل طاقاتهم ويحرمهم من متعة التفاعل الاجتماعي، ولكي نضع أيدينا على الحل، لا بد أولاً من فك الاشتباك بين مفهومين يخلط بينهما الكثيرون: "الخجل المرضي" الذي ينبع من الشعور بالنقص والتردد والاعتمادية المطلقة على الوالدين، وبين "الحياء الفطري" الذي يُعد تاجاً من الفضيلة والأدب الإسلامي الرفيع.
فلو نظرنا الى مفهوم الخجل كما يطرحه عدنان بن سلمان الدريويش المستشار الأسري والمشرف التربوي في كتاب أولادنا وبناء القيم أن الطفل الخجول لديه حالة عاطفية وانفعالية معقدة تنطوي على الشعور بالنقص، وهو طفل متردد في قراراته منعزلا عن الناس، وسلوكه يتسم بالجمود والخمول، وينمو محدود الخبرة لا يستطيع التكيف مع الآخرين، يعتمد اعتمادًا كاملاً على والديه ويلتصق بهم لا يعرف كيف يواجه الحياة منفردا ويظهر ذلك بوضوح عند التحاقه بالمدرسة.
أما الحياء فهو التزام الطفل بمنهاج الفضيلة وآداب الإسلام فليس من الخجل في شيء أن يتعود الطفل منذ نشأته على الاستحياء من اقتراف المنكر وارتكاب المعصية، أو أن يتعود الولد على توقير الكبير وغض البصر عن المحرمات والعلاج يكمن في :
1 - مدح سلوكياته الإيجابية الاجتماعية كمساعدته لأحد أخوته، أو اللعب معهم، أو حين يبدأ في الحديث مع الآخرين.
2- تدريب الطفل على الحديث أمام الناس وتشجيعه وتعليمه كيف يثق بنفسه من خلال التحدث عنه أمام الآخرين بفخر وإعزاز، وتركه يتصرف في شؤونه بطريقته دون أن تملي عليه ما يجب أن يفعل .
3- عدم التدخل للدفاع عنه في المواقف الخلافية بينه وبين أخوته، بل تركه يتصرف من تلقاء نفسه، حتى لو تعرض إلى الضرب، والحالة الوحيدة التي يمكنك التدخل فيها إذا كان هناك خطر ما يتعرض له أحد المتشاجرين.
4 - تشجيعه على ممارسة أي نوع من أنواع الرياضة مع بعض أصدقائه أو أقاربه، فهذا يمنحه لياقة بدنية، فيزداد ثقة بنفسه .
5 - محاولة تمثيل الأدوار في البيت مع جميع الأولاد كلعبة الضيوف، كل له دور، ومن خلال هذه اللعبة يمكن أن يتعلم الطفل كيف يحسن التصرف سواء كان ضيفًا أو مضيفًا.
كذلك عدم إجبار الطفل على الحديث مع الآخرين أو الاندماج معهم إذا كان لا يرغب في ذلك، ومنحه وقتاً حتى يرتاح لهم، حتى لا تكون عكسية على نفسيته، وإلحاقه بروضة للأطفال أو ناد، وهذا سيطور مهاراته الاجتماعية، مع الصبر عليه إذا حاول التمنع في البداية، بالاضافة إلى مناقشة الطفل عن الأحداث التي ستكون قبل حصولها، كأن يُخبر عمن سيكون حاضراً، وماذا سيحدث، ومساعدته على التركيز على الجانب الإيجابي للموقف، والحوار معه عن ما يريد فعله عندما يصل الضيف مثلا، والمبادرة إلى حل الخلافات الأسرية إن كانت موجودة ومحاولة تعايش الوالدين في سلام، لتوفير مناخ أسري، ينعم بالثقة والمحبة والاستقرار، والابتعاد نهائياً عن العبارات السلبية التي تدمر شخصيته كقولك له: يا خجول، يا بليد يا كسول، انظر إلى أصدقائك، الناس لا يحبونك لأنك خجول، كن رجلاً، كن مثل فلان .....
بينما بدلا من ذلك يمكنك أن تقول له: عمك سيزورنا اليوم، ما رأيك أن تستقبله أنت، وترحب به، وتدخله البيت، أرى أنك أهل لذلك، ومن هنا يتبين لنا أن علاج خجل الأطفال ليس وصفة سحرية تُطبق بين ليلة وضحاها، بل هو رحلة تربوية طويلة قوامها الصبر، والتفهم، والدعم الذكي فإن الكلمات التي نلقيها في مسامع أطفالنا هي التي تشكل واقعهم فإما أن تكون معول هدم يكرس الخجل والانعزال، أو تكون طاقة أمل تدفعهم نحو القيادة والتميز من خلال توفير بيئة أسرية مستقرة وخالية من الخلافات، والابتعاد عن العبارات السلبية المقارِنة، ومنح الطفل مساحته الخاصة للتعبير والتصرف، فإننا لا نعالجه من الخجل الفراغي فحسب، بل نغرس في نفسه حياءً جميلاً وثقة بالغة تجعله قادراً على مواجهة الحياة منفرداً بكل شجاعة واقتدار.








اضافةتعليق
التعليقات