لم تكن كربلاء حادثةً عابرة في صفحات التاريخ، ولا مجرد فاجعةٍ تُستدرّ بها الدموع، بل كانت امتحانًا إلهيًا عظيمًا تجلّت فيها أعلى مراتب الصبر والتسليم واليقين. فما جرى على الحسين بن علي صلوات الله وسلامه عليه وأهل بيته وأصحابه من قتلٍ وسبيٍ وتمثيلٍ بالأجساد الطاهرة، هو بلاءٌ تعجز الجبال عن حمله، وتنهدّ له قلوب البشر، ولا يثبت أمامه إلَّا مَن اصطفاه الله تعالى وربّى قلبه بعين العناية الإلهية.
وقد أشار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه إلى هذه الحقيقة بقوله الشريف:
(إنَّ أمرَنا صعبٌ مستصعب، لا يحتمله إلّا مَلَكٌ مقرّب، أو نبيٌّ مرسل، أو عبدٌ امتحن الله قلبه للإيمان). بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٢ - الصفحة ١٨٣
وهذا الأمر الصعب المستصعب لا يمكن أن يتحمّله الإنسان الاعتيادي، بل لا يثبت أمامه إلَّا مَن كانت له قابلية الأبرار المصطفَين الذين اجتباهم الله تعالى، وربّاهم وهيّأهم لتحمّل تلك المحن العظيمة. وقد أشار علي بن موسى الرضا صلوات الله وسلامه عليه إلى هذه الحقيقة، مبينًا أن الله تعالى يخصّ أولياءه بمقاماتٍ من البلاء والامتحان تتناسب مع علوّ منزلتهم وكمال قربهم منه سبحانه.
ولعلّ كربلاء كانت من أوضح مصاديق هذا الأمر الصعب المستصعب؛ إذ لا يمكن لعقلٍ بشريٍّ اعتيادي أن يتصوّر حجم تلك المحنة، فضلًا عن احتمالها والثبات أمامها.
ومن بين جميع مشاهد كربلاء، تتجلّى عظمة السيدة زينب بنت علي صلوات الله وسلامه عليهما بوصفها النموذج الأكمل لتحمّل ذلك البلاء الإلهي العظيم. فقد رأت إخوتها وأبناءها وأهل بيتها صرعى على رمضاء الطف، وشاهدت أخاها الحسين وحيدًا غريبًا تحيط به السيوف والرماح، ثم رأت الشمر اللعين جاثمًا على صدره الشريف يذبحه من الوريد إلى الوريد، ورأت الخيول تدوس جسده الطاهر حتى صار مقطع الأعضاء مرمّلًا بدمائه الزكية.
ومع كل ذلك، لم تنهَر العقيلة، ولم تسقط أمام هول المصيبة، بل بعدما انتهت مِن بث حزنها وشكواها ولوعتها إلى جدها المصطفى صلى الله عليه وآله تماسكت وربطت على قلبها، وسارت بين الأجساد الطاهرة حتى وصلت إلى جسد أخيها الحسين صلوات الله وسلامه عليه، فرفعته بكلتا يديها نحو السماء وهي تقول:
(اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا هَذَا القُرْبَان). حياة الإمام الحسين، القرشي 3 : 304
ولم تقل: (تقبّل منه)، بل قالت: (مِنّا)، لتكشف أن أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم كانوا جميعًا شركاء في هذا القربان الإلهي؛ الحسين بدمه، وزينب بصبرها، والإمام علي بن الحسين زين العابدين بصمته وعبادته، والعيال بتحملهم مرارة السبي والأسر.
ثم ارتقت صلوات الله وسلامه عليها إلى مقامٍ أعظم حين قالت:
( اِلَهِي إِن كَان هَذَا يُرْضِيْك فَخُذ حَتَّى تَرْضَى). مقتل الحسين للمقرم.289
فلم تكن كلماتها كلمات إنسانٍ مغلوبٍ على أمره، بل كلمات قلبٍ ممتلئٍ بالرضا والتسليم لله تعالى، يرى أن كل ما يهون إذا كان في سبيل حفظ دين الله ورسالة جدها محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله.
ومن هنا نفهم عظَمة كلمتها الخالدة أمام ابن زياد:
(ما رأيتُ إلّا جميلًا).
فهي لم تنظر إلى ظاهر القتل والسبي والدماء بعينٍ ماديةٍ مجرّدة، بل نظرت بعين البصيرة إلى النتائج الإلهية العظيمة التي ستنبثق من تلك الدماء الطاهرة؛ رأت حفظ الدين، وفضح الظالمين، وانتصار الحق وإن بدا في الظاهر محاصرًا بالجراح.
وإنّ هذا الثبات العجيب، وذلك الرضا العميق وسط تلك الفواجع، لدليلٌ واضح على كمال علم العقيلة زينب صلوات الله وسلامه عليها، وتمام بصيرتها، ورجحان عقلها، وسموّ مقامها؛ إذ استطاعت أن تكظم لهيب المصيبة، وتضبط جموح العاطفة، وتقف أمام ذلك المشهد الدامي بقلبٍ ثابت وإيمانٍ راسخ حتى وإن كان السيف فوقها يقطر دمًا، وتلك سجيةٌ لا يتحلّى بها إلَّا مَن كان جوهره كجوهر الأصفياء من محمد وآل محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، الذين صفاهم الله تعالى وطهّر سرائرهم وهيّأهم لحمل أعباء الهداية والابتلاء.
ولذلك كانت العقيلة زينب صلوات الله وسلامه عليها أعظم مثالٍ للأبرار الذين امتحن الله قلوبهم للإيمان، فاستطاعوا أن يتحمّلوا من البلاء ما لا تتحمله النفوس الاعتيادية. لقد كانت شريكة الحسين صلوات الله وسلامه عليه في نهضته، وحافظة رسالته بعد شهادته، حتى صارت كربلاء بصبرها وصوتها وخطبها حيّةً في ضمير الأمة إلى يومنا هذا.








اضافةتعليق
التعليقات