تمثّل شخصية أم المؤمنين خديجة بنت خويلد (صلوات الله وسلامه عليها) أنموذجًا متكاملًا للسبق الإيماني والوعي الرسالي في صدر الإسلام. فقد كانت أول امرأة آمنت برسول الله (صلى الله عليه وآله)، ووقفت إلى جانبه منذ اللحظة الأولى لنزول الوحي. وقد روى الشيخ الكليني في الكافي عن الإمام الصادق (صلوات الله وسلامه عليه): «آمنت به خديجة بنت خويلد، وصدّقته، وواسته بنفسها ومالها»، كما نقل ابن هشام في السيرة النبوية قول النبي (صلى الله عليه وآله): «آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدّقتني إذ كذّبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس». وهذه النصوص لا تثبت أسبقية أم المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليها) الزمنية فحسب، بل تكشف عن وعيٍ إيمانيٍّ راسخ وثباتٍ في ظرفٍ اتسم بالتكذيب العام والمقاطعة الاجتماعية.
وتشير جملة من الروايات في المدرسة الإمامية إلى سبق السيدة خديجة (صلوات الله وسلامه عليها) في الاعتقاد بولاية علي بن أبي طالب (صلوات الله وسلامه عليه)، وهو ما يُفهم في ضوء المنظومة العقدية التي ترى أن الإيمان بالرسول يستبطن الإيمان بوصيّه. ويأتي ذلك منسجمًا مع ما عُرف عن أم فاطمة (صلوات الله وسلامه عليها) من صفاء البصيرة وعمق اليقين قبل الإعلان الرسمي للولاية في غدير خم، مما يعكس موقعها ضمن الدائرة الأولى الواعية لحقيقة الامتداد الإمامي للرسالة.
عاشت أم المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليها) مع النبي (صلى الله عليه وآله) أربعًا وعشرين سنة، لم يشاركه خلالها زوجة أخرى، وهو ما يمنح هذا الارتباط بعدًا خاصًا يتجاوز الإطار الأسري إلى مستوى الشراكة الرسالية.
وقد حفظت المصادر موقف النبي المتكرر في تمجيد السيدة خديجة صلوات الله وسلامه عليها بعد وفاتها، فقد رُوي عن عائشة قولها: «ما غرتُ على امرأة ما غرتُ على خديجة… وكان النبي يكثر ذكرها»، وفي رواية أخرى قال صلى الله عليه وآله: «لا والله ما أبدلني الله خيرًا منها…». إن هذا الاستحضار الدائم لمقام أم المؤمنين صلوات الله وسلامه عليها، والدفاع عنها عند الانتقاص منها، يكشفان أن حضورها في حياته لم يكن عابرًا، بل تأسيسيًا في مسار الإسلام.
أما على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، فقد شكّل مال أم فاطمة صلوات الله وسلامه عليها عنصرًا محوريًا في دعم الدعوة الإسلامية في مراحلها الأولى، حتى اشتهر في التراث الإسلامي القول: «قام الإسلام بسيف علي ومال خديجة»، وهو وإن ورد مرسلًا في بعض المصادر، إلا أن الوقائع التاريخية تؤيد مضمونه، لا سيما في سياق حصار بني هاشم في شعب أبي طالب ثلاث سنوات، حيث تحملت السيدة خديجة صلوات الله وسلامه عليها مع المؤمنين تبعات المقاطعة الاقتصادية والاجتماعية.
كما تنقل الروايات تكريمًا إلهيًا خاصًا لها، فقد روى الشيخ الصدوق في الأمالي أن جبرائيل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وآله: «هذه خديجة قد أتتك، فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب».
ويتضمن هذا النص سلامًا إلهيًا مباشرًا، وبشارةً مقرونة بوصفٍ دقيقٍ ينفي الصخب والنصب، في دلالةٍ واضحة على التعويض الإلهي عمّا لاقته أم المؤمنين صلوات الله وسلامه عليها من أذى وضغطٍ في سبيل تثبيت الرسالة.
كما ورد في الحديث الذي رواه الحاكم في المستدرك وصححه: «أفضل نساء أهل الجنة أربع: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم»، وفي نص آخر: «ما كمل من النساء إلا أربع…».
ويكشف مفهوم الكمال هنا عن بلوغ مرتبة عالية من الإيمان واليقين والثبات، وهو ما يضع السيدة خديجة صلوات الله وسلامه عليها في دائرة الاصطفاء الإلهي إلى جانب أعلام النساء الكاملات في تاريخ الوحي.
وعليه، فإن دراسة شخصية أم المؤمنين وأم فاطمة صلوات الله وسلامه عليها لا ينبغي أن تبقى في إطار السرد التاريخي، بل تستدعي قراءة تحليلية تكشف عن أبعاد السبق الإيماني، والشراكة الرسالية، والمقام الاصطفائي الذي تثبته النصوص.
فهي لم تكن مجرد زوجة للنبي في مرحلة من حياته، بل كانت أحد الأعمدة الأولى التي قام عليها البناء والتأسيس الرسالي في مرحلته المكية.








اضافةتعليق
التعليقات