يمتاز خروج الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه عن سائر حركات الإصلاح في التاريخ البشري أنها لم تكن ناشئة عن تفاعلات مجهولة غير مضمونة النتائج، كما أنها ليست مشروعًا بُني على حساباتٍ تحتمل النصر أو الهزيمة.
كان خروج الامام على فساد الدولة الاموية وفسق خليفتها - عن عصمة وعلم يقين بما سيجري عليه وعلى أهل بيته وأصحابه من المصائب في العاشر من محرم الحرام.
وبهذه المناسبة الأليمة والمصاب الجلل يمثل أمامنا سؤالٌ طالما تفاعل في الأوساط العلمية والثقافية: هل كان الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه يعلم بما ستئول إليه وقائع كربلاء؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا مضى في طريقٍ يعلم أنّ نهايته مأساوية كارثية وسيكون النصر فيها حليفا لدولة بني أمية على حساب بني هاشم والأنصار وركب العائلة السائر إلى الكوفة؟!
إنّ الروايات الواردة عن أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم، وما نقلته المصادر التاريخية المعتبرة، تؤكد على أنّ تفاصيل الفاجعة حاضرةً في علمه منذ كان طفلا في كنف جده رسول الله صلى الله عليه وآله ووالديه أمير المؤمنين والزهراء صلوات الله وسلامه عليهما .
فقد نزل جبرائيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره بما سيجري على سبطه الحسين صلوات الله وسلامه عليه في أرض كربلاء، وأراه تربة الأرض التي سيُقتل فيها، فكان النبي صلى الله عليه وآله يتألم ويبكي كلما رأى سبطه الحسين أو تذكر مصيبته.
وورد أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه مرّ بأرض كربلاء في طريقه إلى صفين، فتوقف عندها وأخبر أصحابه بأنّها أرضٌ سيُقتل فيها ابنه الحسين صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه وتسبى حرمه وولده. ما يدل على أنّ علم هذه الواقعة كان حاضرًا عنده وعند اصحاب الكساء الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم.
وتؤكد أخبار السيرة أنّ الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه أخذ هذا العلم بوصفه تكليفا لا محيص عن يومه، فقد خُط بالقلم وفيه رضا الله عزّ وجلّ ورضاه صلوات الله وسلامه عليه، وسخطه عز وجل على بني أمية وسخط أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم على أول ظالم ظلمهم وآخر تابع له على ذلك.
وحين قرب ركب الحسين صلوات الله وسلامه عليه من أرض كربلاء وأحجم الفرس عن الحركة وجمد في مكانه؛ فاسترجع وقال: «هل لها اسم غير هذا؟» قيل له: تسمى كربلاء. فتنفس الصعداء وقال: «أرض كرب وبلاء». ثم قال: «قفوا ولا ترحلوا، فها هنا والله مناخ ركابنا، وها هنا والله سفك دمائنا، وها هنا والله هتك حريمنا، وهاهنا والله قتل رجالنا، وهاهنا والله ذبح أطفالنا، وها هنا والله تُزار قبورنا، وبهذه التربة وعدني جدي رسول الله صلى الله عليه وآله ولا خُلف لقوله».
وأشار الحسين في الحوادث الواقعة لأم سلمة: «إني لأعرف اليوم الذي أُقتل فيه، والسّاعة التي أُقتل فيها، والحفرة التي أُدفن فيها».
وقد أوصى بني أسد قبل الواقعة بدفنه بعد مقتله في أرض بكربلاء قد تملّكها مِن قبل منهم، وأرشدهم إلى إكرام زواره واستضافتهم فيه.
تلك من الأدلة القاطعة بعلمه المسبق بما يجري عليه في العاشر من المحرم وعلى تلك البقعة المقدسة. فإذا كان الأمر كذلك فلماذا لم يجتنب الأسباب أو يسلك طريقًا آخر وقد قُدّمت إليه الكثير من الخيارات المنقذة؟
إنّ عِلم الإمام بالغيب لا يعني إمكان سقوط التكليف عنه وهو المخيّر والمأمور في آن ، ولا يعمل – وهو المعصوم – إلّا وفق ما قدر له وما تقتضيه ظواهر الأمور في الناس، مع امتلاكه العلم بما كان وما يكون.
فالنبي صلى الله عليه وآله كان يعلم بوجود المنافقين في المجتمع الإسلامي، ومع ذلك كان يجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرية، وكذلك الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه كان مأمورًا بإقامة الحجة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومواجهة الانحراف الأموي بتقديم نفسه الزكية. فالثمن لقاء ذلك بلوغ (الفتح) وخسران من ألقيت عليه الحجة فتخلّف عنه، والخلود في النار واللعنة الدائمة لأمة ظلمته فألجمت وتنقّبت لقتاله.
لم يكن علمه صلوات الله وسلامه عليه بالواقعة مقرونا بحدود اللحظة الراهنة إذ تعطفت عليه سيوف بني أمية، بل كان قرينا له منذ طفولته فلا رهبة ولا خوف ممّا ستئول إليه الأمور ما دام بعين الله وهو مراده عز وجل، بل يقينٌ يبلغ به مقاما محمودا، وركبٌ أحيا به الدّين من بعد ممات. فصار بمقتله صلوات الله وسلامه عليه موقف خالد بلغت فيه الحجة تمامها.
ولهذا كشفت خطبه صلوات الله وسلامه عليه قبل خروجه وفي حال خروجه وعند لقائه بجيش يزيد - عن حقيقةٍ أساسية أكدت على أن موقف الإمام من الواقعة ليس لكونها حادثا طارئا وليدا لظرف ما بعد هلاك معاوية وأن ظرفا سياسيا راهنا فرضت على الإمام الإعلان عن رفض بيعة يزيد وخروجه عليه، وإنما كان سياقا لإحياء الدّين وإقامة الحجة على الأمة في ذلك ومن أوضح النصوص الدالة على ذلك قوله صلوات الله وسلامه عليه: «شاء الله أن يراني قتيلاً، وشاء الله أن يراهن سبايا».
فهذا النص الشريف يبين أنّ الإمام كان ينظر إلى شهادته وما يتبعها من سبي النساء والأطفال ضمن إطار المشيئة الإلهية المرتبطة بالهداية وإتمام الحجة، لا بوصفها واقعةً مفاجئةً غير متوقعة النتائج.
ومن هنا ندرك أنّ خروج الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه لم يكن طلبًا لملكٍ أو سعيًا لبلوغ سلطة، بل كان استجابةً لتكليفٍ إلهي عظيم امتثل له.
إنّ العلم بالغيب حمل ثقيل لا يقدر عليه بشر ما لم يكن مختارا وممن اصطفى الخالق عز وجل، ولا بد من مقام يخصّه الخالق لمن فاز بما قَدّر له من البلاء العظيم فشكر وحمد الله على عظيم الرزية وصبر.








اضافةتعليق
التعليقات