كما يمرض الجسد فتظهر عليه أعراض العلة، تمرض الروح كذلك وإن خفيت آثارها عن العيون. وإذا كان الجسد يجد شفاءه عند طبيبٍ يدرك موضع الداء، فإن الروح لا تجد عافيتها إلا في الفكر الصحيح الذي يسندها، ويقوّم انحرافها، ويصحّح رؤيتها للحياة. لذلك يبقى اتصال الإنسان الدائم بالحق في أفكاره وأفعاله ضرورةً لا غنى عنها لصيانة روحه وحفظ توازنها.
ولا نجد تقويم متين يجدد الروح ويرمم أخلاق الانسان بعد تعثرها، أفضل من الفكر الحسيني الذي هو أساس البناء والإصلاح للإنسان فمبادئه تتجدد هذه الذكرى بمفاهيمها وقيمها التي رفضت الظلم ووقفت بوجه الطاغوت الأموي وانكسرت للحق الذي جاء به الإسلام ودافع عنه واشاعته كقيمة عليا بين المجتمع الإسلامي ولهذا بقيت القيم العاشورائية خالدة وعظيمة كونها تتوائم مع فطرة الإنسان وتوجهات نحو العيش بسلام في ظل قيم ومبادئ ترفع من شأنه وتحفظ كرامته وبهذا اكتسبت عاشوراء خلودها وعظمتها.
ولم يقتصر نهج الإصلاح والإستفادة من واقعة الطف على الحياة وتنظيمها وتوجيه مساراتها نحو سبل الصواب بل تعدى ذلك إلى النجاح في ضمان حسن العاقبة في الحياة الأخرى حيث يبقى الرضا الإلهي هو الهدف الأهم للمؤمن، فالإنسان خطاء.
يقول الامام السجاد" واصلِح بفضلِكَ مافَسدَ منَّي".
فاصلاح الروح لايتم إلا بالفكر السليم والاهتداء بأهل البيت عليهم السلام، وكما أن الجسد إذا أُهملت علله استفحلت حتى تنال من عافيته، فإن أمراض الروح إذا تُركت دون مراجعة أو تقويم تحولت إلى قناعات فاسدة وسلوكيات منحرفة يصعب التخلص منها.
فالغرور والحسد واليأس وسوء الظن ليست إلا أعراضاً لعلل كامنة تحتاج إلى بصيرة نافذة تعالج أسبابها لا مظاهرها فحسب. ومن هنا تبرز أهمية المراجعة الدائمة للنفس، وعرض الأفكار على ميزان العقل والحق، وعدم الاستسلام لكل ما يرد إلى الذهن من خواطر أو لكل ما يشيع بين الناس من آراء.
فليس كل شائعٍ صحيحاً، ولا كل مألوفٍ حقاً، وإنما يُعرف الحق بدليله، وتُعرف سلامة الفكر بثمرته في القول والعمل. من هنا ندرك أهمية شهر عاشوراء، حيث تتجدد قيم الحياة النبيلة، وتغدو قريبة المنال لكل انسان يسعى إليها، باستذكاره لقيم ومبادئ الامام الحسين (عليه السلام) التي نهض من أجلها وثار ضد الطغيان مطالبا بها.
لذا فإن كل إنسان في مثل هذا الشهر تكون المبادئ السمحاء طوع بنانه، فيمكنه أن يجدد أفكاره ومسارات حياته، ويراجع نفسه، ويمسح عنها أدرانها وأخطاءها التي علقت به نتيجة لضعف نفسه، فهذا الشهر له خصوصية لا تشبه بقيه الشهور خصوصية وتميزا فبحلول هذا الموسم مجرد أن يهل هلال هذا الشهر يتبادر إلى الذهن اسم الإمام الحسين (عليه السلام) حيث قتل في العاشر منه مظلوما شهيداً من أجل المبادئ وأخلاق الاسلام.
ومع هذا الاستذكار السنوي المتواصل يكون الإنسان أكثر استعدادا لمساندة الحق مستمدا رؤيته وايمانه هذا من رؤية مبادئ واقعة الطف التي هزت عرش الطغيان قبل قرون وقرون ففي كل ذكرى وفي كل مرة كما ينهل تحيا فيها ذكرى عاشوراء ينهل المحب من الإمام الحسين (عليه السلام) قيماً ومفاهيم جديدة، ذلك أن عاشوراء ليست مناسبة دينية فحسب ولا هي مناسبة لأداء الشعائر فقط إنما هي تجديد بالأهداف التي نادى بها الامام الحسين (عليه السلام) والتي قدم عزاء حياته ثما لمقارعة الظلم والانحراف السياسي والأخلاقي الذي حاول فيه بني أمية أن ينحرف بالاسلام عن مساره وكي يجير الدين لمصالحهم الفردية في الحفاظ على كرسي السلطة بوسائل الظلم والتشكيل والتقتيل وكبت الآراء وكل الوسائل التي ساعدتهم على البقاء لأطول زمن في دفة الحكم الظالم الذي هزته الثوره الحسينية ولا تزال تعلوا لمقارعتها بؤر الظلم والفساد في أي مكان وزمان ولا سيما البلدان الإسلامية التي تتخذ من الاسلام شكلا لها في الوقت الذي اصبحت بعيده كل البعد عن جوهره الحقيقي.
وهكذا تكون هذه الواقعة المتجددة ابدا من كل عام معيار القياس وكشف الظلم وإفرازاته التي تنعكس على البشرية أجمع، ودافعا عظيما على رفضه أيا كان مصدره والوقوف بوجه الطغاة مهما قويت شوكتهم واشتد جبروتهم القائم على الظلم والقهر والبطش بالآخرين من دون مراعاة حرمة الانسان وحقوقه التي أقرتها الأديان السماوية والنواميس والأعراف البشرية التي فصلت بين أفعال الخير والشر عبر معايير الرشد والبطولة كما هي مأثرة سيد الشهداء الله حين أعلن قبل أكثر من ألف واربعمائة سنة تحديه للطاغوت الأموي الظالم الذي حاول بكل ما يستطيع تغيير المسار الانساني القائم على العدل والتضحية والإيثار وعموم المبادئ التي تضع نفسها بخدمة الإنسان.
ولهذا بقيت الثورة الحسينية خالدة ما بقيت الدهور ومهما امتد الزمان. وهكذا يتجدد منظر المواكب والتكيات الحسينية من أجل مهمة سامية والتعريف بالحسين وقضيته الحقة من أجل نصرة الدين والإنسان.
إن الروح تنمو بالمعرفة الصادقة، وتزكو بالعمل الصالح، وتستعيد عافيتها كلما اقتربت من مصادر الحكمة والخير. لذلك فإن حاجتها إلى التقويم والإرشاد ليست حاجة عابرة، بل ضرورة مستمرة ما دام الإنسان يعيش بين مؤثرات كثيرة قد تضلله أو تبعده عن جادة الصواب.
فسلامة الروح ليست حالة تُنال مرة واحدة، وإنما هي رحلة متجددة من الوعي والمراجعة والبحث عن الحق والتمسك به. وهكذا تكون الواقعه المتجدده أبدا من كل عام معيارا لقياس وكشف الظلم وافرازاته التي تنعكس على البشرية أجمع ودافعا عظيماً لتصحيح مسار الفرد ورفضه للظلم أيا كان مصدره والوقوف بوجه الطغاة ثم إصلاح نفسه القائم على العدل والتضحية والإيثار وعموم المبادئ التي تضع نفسها بخدمة الانسان وتصب مساراتها في رضا الله سبحانه وتعالى.








اضافةتعليق
التعليقات