يُثار كثيرًا سؤالٌ جوهري: هل الدنيا في ذاتها مذمومة، أم أن المذموم هو التعلق بها؟
فقد شاع في التفاسير أن الدنيا بما فيها من زينة ومتاع ليست شرًا في ذاتها، لأنها مظهر من مظاهر قدرة الله وحكمته، وكل ما خلقه الله جميل في موضعه ومقصده. إنما المذموم كما يقولون هو التعلق بها، والركون إليها حتى تُشغل القلب عن الله والآخرة.
غير أن هذا التفسير، على الرغم من شيوعه وتداوله وكأنه من المسلمات، لا يخلو من ملاحظات تستحق التأمل. فلو تأملنا في علاقة الإنسان بالدنيا، لوجدناها علاقة فطرية وطبيعية، لا مكتسبة أو ناشئة من سوء تربية أو من انحراف أخلاقي. فالوالدان يحبّان أبناءهما، والأبناء يتعلقون بوالديهم، والإنسان يميل بطبعه إلى شريكه، ويحب المال والجاه والاحترام. فهل يمكن اعتبار هذه الميول الفطرية أمرًا مذمومًا يجب اقتلاعه من النفس؟
القرآن الكريم نفسه يؤكد أن هذه العلاقات من دلائل حكمة الله في الخلق. يقول تعالى في سورة الروم: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكرون." فلو كان حب الزوجة أو الميل إلى الأهل والمال مذمومًا في ذاته، لما عدَّه الله من آياته، ولما ربطه بالمودة والرحمة. بل إن هذه الميول الفطرية هي التي تحفظ استمرار النوع الإنساني، وتدفعه إلى العمل والكسب والبناء. فبدونها، لانهارت الحياة وتوقف العمران.
كما أن رغبة الأنسان إلى تطوير نفسه وتحسين أحوال معيشته واستغلال موارد الحياة من أجل حياة هانئة ليس بالأمر المذموم إذا ما توافق مع العمل في سبيل رضا الله. من هنا يظهر اتجاهان متطرفان في النظر إلى الدنيا: بين إفراط الزهد وإفراط التعلق.
الاتجاه الأول: يرى الدنيا كلها شرًا وفسادًا، والحياة عبثًا لا طائل منه، فلا خلاص للإنسان إلا بالانسحاب الكامل أو الفناء. وهذا اتجاه سوداوي لا يليق بكرامة الإنسان ولا يعكس روح الدين. يقول الله في كتابه الكريم)﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ سورة المؤمنون الآية 115.
الآية التي تردّ على النظرة العبثية للحياة وتؤكد أن للوجود الإنساني غاية ومعنى وتنقض فكرة العبث واليأس، وتُعيد للإنسان كرامته من خلال التأكيد أن خلقه ليس بلا هدف، بل لحكمة وغاية.
الاتجاه الثاني: يقول إن الدنيا ليست مذمومة، بل التعلق بها هو المذموم. ولكن بعض أتباع هذا الاتجاه بالغوا في دعوتهم إلى اقتلاع هذا التعلق من الجذور، وكأن المطلوب هو خنق الغرائز وكبح الفطرة الإنسانية حتى تفنى.
وهذا مسلك غير واقعي، بل مضر بالنفس والروح، لأن الغرائز الإنسانية قوى إيجابية أودعها الله في الإنسان لحكمة. وإن قمعها لا يلغيها، بل يدفعها إلى اللاشعور لتعود بصورة مرضية أو مشوّهة. إن محاولة اقتلاع هذه القوى أشبه بقطع يد أو رجل من الجسد، فهي جزء من توازنه ووظيفته، وكل ماخلقه الله له حكمة ووظيفة تخدم الإنسان.
منطق القرآن في الموازنة
القرآن لا يذم الميل الطبيعي إلى المال أو الأبناء أو المتاع، وإنما يذم الرضا والاطمئنان بها كغاية نهائية. قال تعالى:
{المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابًا وخير أملًا} (الكهف: 46)
وقال أيضًا: {الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون} (يونس: 7) فالذم هنا ليس لامتلاك الدنيا، بل للاكتفاء بها ونسيان الغاية الكبرى منها. إنها ليست غاية، بل وسيلة. من جعلها هدفه فقد ضلّ الطريق، ومن استخدمها وسيلة للخير والعمل الصالح فقد أدرك الحكمة من خلقها.
إذ ليس المطلوب من الإنسان أن يقتل ميوله الطبيعية، بل أن يوجهها ويوازنها. فالدين لا يدعو إلى طمر العيون المادية التي تجري من روح الإنسان، بل يدعو إلى فتح عيون أخرى أسمى: عيون المعنويات والإيمان.
الدنيا ليست شرًا، والتعلق الطبيعي بها ليس مذمومًا. إنما المذموم هو أن يُصبح الإنسان عبدًا لها، أن يجعلها الغاية بدل الوسيلة، وأن ينسى أنها مجرد طريق إلى الله، لا نهاية الطريق. إن الدين لا يطلب من الإنسان أن يكره الحياة، بل أن يحبها على نحوٍ أرقى، وأن يرى فيها ميدانًا لاختبار الإيمان والعمل الصالح، لا سجنًا يُحكم عليه بالفرار منه.








اضافةتعليق
التعليقات