اليأس ليس مجرد شعور عابر، بل ظاهرة فكرية واجتماعية تتسلل إلى النفوس والمجتمعات حين يفقد الإنسان ثقته بإمكانية تحقق العدل. تاريخياً، كان اليأس أحد أخطر أدوات انهيار الأمم، لأنه لا يقتل الجسد فحسب، بل يعطّل الإرادة ويشل القدرة على التغيير. من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الإيمان بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بوصفه عاملاً فكرياً حقيقياً لمقاومة اليأس الوجودي، ورافعة معنوية تحمي الإنسان من الاستسلام أمام واقع الظلم.
تقوم قوة هذا الإيمان على إعادة صياغة علاقة الإنسان بالزمن. فاليائس يرى الحاضر امتداداً نهائياً للمأساة، معتقداً أن المستقبل لن يكون إلا نسخة أكثر قسوة من الواقع. أما المؤمن بالعدل المهدوي، فينظر إلى الزمن بوصفه مساراً مفتوحاً على إمكان التحول، مهما طال الأمد، ويعي أن الظلم ليس قدراً أبدياً وأن التاريخ لم يُغلق صفحته الأخيرة بعد. بهذا المعنى، لا يقدم الفكر المهدوي وعداً زمنياً محدداً بقدر ما يرسّخ يقيناً أن العدل سيعود يوماً، وأن المساعي الإنسانية لا تضيع سدى.
أحد أخطر أشكال اليأس هو ذلك الذي يتخفى تحت شعار الواقعية. حين يُقال للإنسان إن العالم لا يمكن أن يكون عادلاً، يتحول اليأس إلى فلسفة تبرّر الخضوع وتشرعن التنازل عن القيم. هنا يتدخل البعد الفكري للإمام المهدي (عج) بوصفه نقضاً جذرياً لهذه الرؤية؛ ففكرة العدل الشامل، رغم بعدها الزمني، تبقي معياراً يقيس به الإنسان انحراف الواقع ويحفزه على رفض الظلم في الحاضر.
على الصعيد الجماعي، يحمي الإيمان بالإمام المهدي الإنسان من الانهيار النفسي والاجتماعي. فالمجتمعات المقهورة، حين تفقد أفق الخلاص، تنزلق إما إلى العنف العبثي أو إلى اللامبالاة القاتلة. أما حين تمتلك تصوراً واضحاً لمستقبل عادل تقوده إرادة إلهية، فإنها تستطيع الصبر دون أن تتحول إلى كيان خاضع أو منهار. وهكذا، يصبح الصبر المهدوي صبراً واعياً ومقاومة فعلية لليأس، لا مجرد تحمّل سلبي للظلم.
فكر الإمام المهدي (عج) أيضاً يقدّم نموذجاً مضاداً لفكرة “نهاية التاريخ”. فكل فلسفة تدّعي أن البشرية وصلت إلى أقصى ما يمكن من نظم وقيم تفتح الباب أمام اليأس، لأنها تغلق أفق التغيير. أما الفكر المهدوي فيبقي هذا الأفق مفتوحاً، مؤكّداً أن العدالة الكاملة لم تتحقق بعد، وأن الواقع الحالي مرحلة انتقالية في مسار الإنسانية.
كما يعالج الإيمان بالإمام المهدي اليأس الأخلاقي، ذلك الشعور الذي يجعل الإنسان يتراجع عن القيم في عالم فاسد. فاعتقاد الشخص بأن قائداً عادلاً سيقيم ميزان الحق يعيد الاعتبار للقيم الأخلاقية بوصفها بذوراً لمستقبل أفضل. فكل فعل خير، مهما بدا مهزوماً أو محدوداً، له امتداد في مشروع أكبر من اللحظة الراهنة.
على المستوى الفردي، يساهم الإمام المهدي (عج) في مقاومة اليأس الداخلي، ذاك الذي ينشأ عندما يشعر الإنسان بأن جهده الشخصي بلا جدوى. الاعتقاد بأن كل عمل أخلاقي صغير يساهم في مسار تاريخي طويل يمنح الفرد القدرة على الثبات وتحمل الضغوط دون الانكسار النفسي.
خلاصة القول، أن الإيمان بالإمام المهدي (عج) لا يمثل وعداً بالنجاة فقط، بل يؤسس لثقافة عقلية وأخلاقية مقاومة لليأس الوجودي. ثقافة ترى الظلم حالة مؤقتة وليست قدراً نهائياً، وترى الأمل موقفاً واعياً لا هروباً من الواقع. وبذلك يتحول الإيمان من مجرد انتظار سلبي إلى قوة داخلية تحافظ على الإنسان في أبعاده الأخلاقية والفكرية، وتمنح المجتمع القدرة على الاستمرار دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية.








اضافةتعليق
التعليقات