"فهم وَ الْجَنَّةَ كَمَن قد رآها، فهم فيها مُنَعَمُونَ، وَهُم وَ النَّارُ كَمَن قد رآها، فهم فيها مُعَذِّبُون ".
ولما كانت منزلة "التقوى" بعد مرتبة "الإيمان" وقبل منزلة "اليقين"، يقول الإمام علي (عليه السلام) عن المتقين: "فهم وَ الجَنَّة كَمَن قد رآها"، لكن إذا تجاوز الإنسان هذه المرحلة ووصل إلى حالة اليقين، فمن الواضح أنه يرى الجنة والنار بالفعل، لا كمن رآها، و السر في هذا الأمر هو أن عالم الآخرة موجود بالفعل، الجنة والنار موجودان أيضا الآن ليس الأمر أنه بعد نهاية هذا العالم وموت جميع البشر، سيتم إنشاء عالم الآخرة بما فيه الجنة و النار، ولقد أثبت الحكيم العظيم في العالم الإسلامي الشيرازي، من وجهة نظر الفلسفة، أن عالم الآخرة ليس منفصلاً عن عالم الدنيا.
ويشير الى أنه: عندما يكون الجنين في بطن أمه، فهو موجود بالفعل في هذا العالم، ولكن لأنه لا يميز الحقيقة، فهو لا يعرف ولا يرى هذا العالم، وهكذا بسبب حجاب الطبيعة، لا يعرف معظم الناس عالم الأخرة، ونحن نعلم في ضوء الحكمة الالهية أن تشخص الانسان هو بروحه لا بجسده، لأن أجزاء وخلايا جسده تتغير ويتحول باستمرار، وبعد مرور زمان معین يتغير الجسد تمامًا، بينما يتم الحفاظ على هوية الشخص الذي يمتلك ذلك الجسد، وبناءً على ذلك فإن أولياء الله المخلصين لديهم البصيرة الباطنية بحيث يمكنهم فتح الستائر المظلمة للعالم الطبيعي ورؤية نشأة الآخرة بما فيها الجنة ونعيمها والجحيم وعذابها ،لذلك قال أمير المؤمنين وإمام العارفين علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي بلغ أعلى درجات اليقين: "لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا".
فإن أهل الجنة في الدنيا قريبون من النعمة الإلهية بعملهم المرضي لله، وإذا تمتعوا بالدرجة المذكورة من البصيرة وجدوا أنفسهم في الجنة، كما أن أهل النار من الفساق والظالمين والقتلة أيضا إذا استطاعوا رؤية الحقيقة، فإنهم يرون أنهم في جهنم الآن، وأن أعمالهم الشريرة هي نار وعذاب الجحيم ، ويروي الغزالي قصة في كتاب "كيمياء السعادة" بما معناه بالاختصار هو كما يلي:
خرج رجل مخمور من الحانة، وبسبب السكر واللاعقلانية، بدلاً من العودة إلى المنزل، غادر المدينة وذهب إلى الصحراء، بعد فترة وصل إلى مكان مقابر المجوس ولأنه كان سكران، رأى مشهدًا واعتقد أنه تم إقامة حفل زفاف له هناك، لأنه رأى من حوله أشخاصا مع ثياب بيضاء ملقون على الأرض، ورأى امرأة برداء أبيض تقف بجانبه على الأرض، كان يعتقد أن المرأة هي العروس التي يريد الزواج منها، جلس سعيدًا على الأرض واستمر في الشرب ويده على رقبتها، وفي نفس الوقت سقط في نوم عميق مع الفرح والسعادة.
عندما أشرقت الشمس، استيقظ على حرّ الشمس، وبينما استفاق من حالة السكر السابق، تذكر مراسم الليلة السابقة ونظر حوله بسعادة، لكنه واجه مشهدًا مرعبا لأنه رأى أنه جاء إلى مقبرة المجوسيين الليلة الماضية وهو في حالة سكر، والمجوس يضعون موتاهم في مكان مرتفع على الأرض، كانت تلك الملابس البيضاء هي أكفان الجثث التي كانت حوله كانت المرأة، التي يعتقد أنها عروسه وزوجته المستقبلية، امرأة عجوز ماتت قبل يوم وتم وضعها هناك.
يقول الغزالي: كان هذا المخمور في نفس المكان وفي وسط الزحام الليلة الماضية، لكنه لم يستطع أن يرى الحقيقة بسبب السكر والشرب الذي أعمى عينيه، ولكن عندما استعاد وعيه، كان قادرًا على إدراك حقيقة المشهد ومعرفة ما كان عليه من حالة بائسة.
أي الإنسان الذي يرتكب المعاصي والفسوق في هذا العالم، ربما يتلذذ عند ارتكابها ولكنه بسبب حجاب الطبيعة لا يستطيع أن يرى ما بداخل سلوكه وهو الجحيم ونار جهنم، ولكن إذا كان قادرا على البصيرة المعنوية لكان يعرف أنه بالفعل في عذاب الجحيم، ولكن لا يعلم.








اضافةتعليق
التعليقات