لا يُعد مرض السرطان مجرد تشخيص طبي، بل تجربة إنسانية قاسية تضع الإنسان وجهًا لوجه أمام هشاشته وأسئلته الكبرى عن الحياة والأمل، ورغم التقدم العلمي في وسائل التشخيص والعلاج، ما زال السرطان أحد أكثر الأمراض تأثيرًا على المجتمعات، إذ لا يفرق بين عمر أو جنس، حيث يترك بصمته الثقيلة على المرضى نفسيًا واجتماعيًا قبل أن يكون جسديًا، وفي قلب هذه المعركة كان للأطفال نصيب، إذ يحملون أجسادًا هشة وقلوبًا أكبر من أعمارهم، ليخوضوا صراعًا مبكرًا مع الألم وحكايات تُجبرهم على النضج سريعًا.
من هنا، يأتي الشهر العالمي لمحاربة السرطان بوصفه مساحة للتوعية والدعم وكسر الصمت والخوف المحيط بالمرض.
(بشرى حياة) تأخذنا في جولة استطلاعية لقصص محاربي السرطان للكبار والأطفال…
كابوس مرعب
كان أشبه بكابوس مرعب بل إنه كذلك، هذا ما استهلت به أم رياحين حديثها عن مرض ابنتها الوحيدة التي أصابها سرطان النخاع الشوكي، مما سبب لها شللًا رباعيًا، ثم استرسلت قائلة: كانت رحلة علاج ابنتي بدون أمل لأن العلاج لا يجدي نفعًا، حيث لا يصل إلى المنطقة المصابة بحسب ما قاله الطبيب، وهو مجرد لتحجيم المرض، غير أن القدر كان له رأي آخر، فقد انتشر وسرى بجسدها الصغير لتنتهي معاناتهم بالموت البارد بعد صراع دام أربع سنوات قضيتها في ردهة العلاج الكيميائي.
ختمت حديثها: أسأل الله أن يشفي كل مصاب بهذا المرض.
أمل كبير
فيما قال مصطفى كريم: لقد أُصبت بمرض سرطان الغدد اللمفاوية، وأنا في عمر التسع سنوات، حيث أقلتني عائلتي إلى لبنان لتلقي العلاج هناك، أنهيت ما يقارب العامين في رحلتي العلاجية والتي تكللت بالنجاح، عدت إلى أرض الوطن أحمل أملًا كبيرًا داخل قلب طفل صغير لكل المصابين بلعنة هذا المرض بالتعافي، غير أني إلى الآن أتلقى فحوصات دورية كل عام في الشهر الثاني تزامنًا مع الشهر العالمي لمرضى السرطان، لأنقل لهم تجربتي خصوصًا بعدما كبرت مواصلًا حياتي بإنهاء دراستي والعمل والاقتران بزوجة وتكوين أسرة، وأذكر لهم الماضي بأنه تجربة اللاهية بمدى صبرنا وإيماننا بقدرة الله لمنحنا الشفاء بعدما مسنا الضر.
ألم بلا نهاية
صمت مطبق ونظرات حائرة تبحث كلمات يعيد ترتيبها ليصف لنا مقدار الألم الذي ما زال يشعر به إلى الآن، حدثنا الشاب زيد حيدر قائلًا: البداية كانت بانتفاخ بسيط في منطقة البطن وألم شديد في المعدة، أجزمته بأنه بسبب ضغط الامتحانات.
أنهيت دراستي الثانوية بنجاح والتحقت بالجامعة، ومن هنا بدأت رحلتي مع ألم بلا نهاية إلى يومنا هذا، حيث بدأ الانتفاخ بتزايد مع شدة الألم، كانت الصدمة حينما قال الطبيب إنه لعنة سرطان المعدة، أقنعت نفسي بأنه خطأ طبي، وهنا حزمت أمتعة السفر مع والدي إلى الهند ليؤكد بأنه السرطان لا مفر من حقيقته المؤلمة.
وأضاف: دخلت في اكتئاب حاد رافضًا العلاج، ثم أفقت من أثر الصدمة لتلقي العلاج وإنهاء دراستي، إلى الآن ما زلت في رحلتي العلاجية على أمل التعافي، أسأل الله أن يكتب للجميع الشفاء وأنا منهم.
الرابع من فبراير تظاهرة سنوية
اليوم العالمي للسرطان الموافق 4 فبراير، هو تظاهرة سنوية ينظمها الاتحاد الدولي لمكافحة السرطان لرفع الوعي العالمي بمخاطر مرض السرطان، وذلك عبر الوقاية وطرق الكشف المبكر للمرض والعلاج، ويعتبر مرض السرطان أكبر المشكلات الصحية التي تواجه العالم، كما يعتبر من أهم أسباب الوفاة على الصعيد العالمي.
رأي طبي
في نهاية جولتنا الاستطلاعية التقينا اختصاصي الأورام السرطانية الدكتور كرار الموسوي، مدير مركز الإمام الحسين (ع) لعلاج الأورام وأمراض الدم، ليحدثنا عن حيثيات هذا المرض، استهل حديثه قائلًا:
أن تشخيص مرض السرطان يتم عن طريق أخذ خزعة أو عينة من الورم المشتبه به، وفحصها نسيجيًا وخلوياً تحت المجهر، حيث تظهر خلايا غير طبيعية تؤكد الإصابة بالمرض.
وأضاف أن ما يميز السرطان عن بقية الأمراض المزمنة هو كونه ناتجًا عن خلل في الحمض النووي (DNA)، يحول الخلية من طبيعية إلى سرطانية، ما يؤدي إلى انقسام غير مسيطر عليه، مع قابلية على الانتشار إلى أعضاء أخرى، وقد يتسبب بالوفاة في حال عدم العلاج.
الخزعة لا تنشر المرض
وأكد الموسوي أن من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعًا بين الناس الاعتقاد بأن الخزعة تؤدي إلى انتشار المرض، مبينًا أن هذا الأمر غير صحيح علميًا أو طبيًا، مشددًا على أن الخزعة خطوة أساسية وضرورية للوصول إلى التشخيص الدقيق ووضع الخطة العلاجية المناسبة.
مخاطر ترك العلاج
وتابع أن بعض المرضى يلجؤون إلى ترك العلاج الكيميائي أو الإشعاعي، والتوجه نحو الطب البديل كالأعشاب أو ما يُعرف بتجويع الخلايا، موضحًا أن هذه الأساليب لا تمتلك أي أساس علمي، بل على العكس قد تؤدي إلى تدهور الحالة الصحية، في حين أن الالتزام بالعلاج الذي يقرره الطبيب هو الطريق الصحيح للسيطرة على المرض.
العوامل المسببة للسرطان
وبيّن الدكتور كرار الموسوي أن هناك عدة عوامل خطرة قد تسهم في الإصابة بالسرطان، من أبرزها التلوث، التدخين، السمنة، الغذاء غير الصحي، إضافة إلى العامل الوراثي وبعض أنواع الفيروسات، مثل التهاب الكبد الفيروسي الذي يُعد من مسببات سرطان الكبد، والفيروس الحليمي البشري المسبب لسرطان عنق الرحم.
وأوضح أن ليست جميع أنواع السرطان وراثية، فمثلًا في سرطان الثدي لدى النساء تتراوح النسبة الوراثية بين 5% إلى 10% فقط، وقد يكون العامل الوراثي سببًا في بعض سرطانات المبيض، الرحم، البروستات، والدماغ، إلا أن الغالبية العظمى من الإصابات تحدث دون سبب وراثي مباشر.
سرطان الأطفال
وبشأن سرطانات الأطفال، أكد الموسوي أنها تشبه سرطانات البالغين من حيث طرق العلاج، كالجراحة والعلاج الكيميائي والإشعاعي، لكنها غالبًا تستجيب بشكل أفضل للعلاج، لافتًا إلى أن أسباب الإصابة لدى الأطفال تبقى في معظم الحالات غير معروفة.
وأشار إلى أن بعض السرطانات النادرة قد تصيب الأطفال في الأشهر الأولى من العمر، لا سيما سرطانات الرأس والدماغ، فيما تُعد سرطانات الدم والغدد اللمفاوية والدماغ والكلى من أكثر الأنواع شيوعًا، مع نسب شفاء عالية عند التشخيص المبكر.
أهمية الكشف المبكر
وشدد على أن الكشف المبكر يُعد العامل الأهم في تحقيق الشفاء التام، موضحًا أن ظهور أي كتلة، فقدان وزن غير مبرر، شحوب أو حرارة مستمرة لدى الأطفال يستدعي مراجعة الطبيب فورًا، وكذلك الحال بالنسبة للنساء عند ملاحظة كتلة في الثدي أو نزف نسائي غير طبيعي يتطلب مراجعة المراكز المختصة دون تأخير.
الدعم النفسي جزء من العلاج
وأكد الموسوي أن مرض السرطان لا يقتصر على العلاج الدوائي فقط، بل يحتاج إلى دعم نفسي ومعنوي كبير من العائلة والأصدقاء والكادر الطبي، نظرًا للضغوط النفسية التي يمر بها المرضى خلال رحلة العلاج.
رسالة إلى المرضى
ووجه في ختام حديثه رسالة للمرضى دعاهم فيها إلى عدم الخوف من السرطان، مؤكدًا أن المرض قابل للعلاج، وأن نسب الشفاء ارتفعت بفضل التطور الطبي لتصل في بعض الأنواع إلى نحو 90%، مشددًا على أهمية المواجهة وعدم الاستسلام.
كما نصح النساء من عمر 40 سنة فما فوق بالمواظبة على مراجعة مراكز الكشف المبكر عن سرطان الثدي مرة واحدة سنويًا، مشيرًا إلى أن الوقاية تبدأ بالابتعاد عن التدخين والملوثات، وممارسة الرياضة بانتظام، والحفاظ على وزن صحي، مع إجراء الفحوصات الدورية المنتظمة.








اضافةتعليق
التعليقات