كان فستانها الأبيض بسيطاً كقلبها، ترفعه بيدين مرتعشتين وهي تركض نحو مكان العقد، تأخرت خمس دقائق فقط وعندما دخلت، رأت عينيه تضحكان قبل شفتيه، وقال بلمسة رقة: "كنت أخاف أن تكوني غيرت رأيك" انحلت كل توتراتها، وبعد ساعة فقط من توقيع العقد، بينما كانا يتناولان قطعة الكعك، هبطت عليها النصيحة الأولى كصاعقة بهمسة عابرة :
"الآن ابدئي الحرب! المطلوب أول ثلاث سنوات تحديد مراكز القوى، لا تطبخي كل ما يحب، لا تنظفي كل ما يرمي، لا تضحكي على كل نكتة،الزواج لعبة ذكاء، ومن يبدأ بلا خطة يخسر المعركة!"
تجلدت ابتسامتها، نظرت إلى خاتمها البسيط، ثم إلى عيني زوجها اللتين لا تزالان تضحكان، شعرت فجأة أن فستانها الأبيض الذي اختارته بدافع البساطة صار ثوباً مقاتلاً في معركة لم تختارها، وهكذا تبدأ المأساة الكوميدية بفستان أبيض بسيط ونصيحة خانقة، فجأةً تتحول من إنسان يحب إلى "مشروع زواج" يحتاج خطة استراتيجية، وكأنك دخلت معسكر تدريب عسكري، ومدربوك هم كل من سبقوك إلى ساحات الوغى الزوجية!
المدرسة النسوية القتالية: فن تحويل البيت إلى جبهة
تأتيك الخبيرة وهي تحمل في عينيها جروح معارك خاضتها قبل ثلاثين عاماً:
"المطبخ يا بنيتي ليس مكاناً للطعام، بل ساحة لفرض السيادة،لا تعلميه أبداً أين تضعين الملح، فالمعلومات الاستخباراتية قوة والأهم كوني كتلة من التناقضات: أحياناً حارة كالصحراء، وأحياناً باردة كالقطب، فهو لن يقدر الدفء المستمر!"
وتكمل بفصل "الاقتصاد العاطفي": "حبك عملة نادرة، لا تبذليه بكميات، أعطيه جرعات محسوبة، فالحب الكامل يقلل قيمته السوقية وتذكري: دموعك سلاح نووي، استخدميه في المعارك المصيرية فقط!"
هي نصائح قيمة يجب أن تحفظيها عن ظهر قلب ويبقى عقلك مشغولاً بها لدرجة أنك تبدأين تمثلين حياتك بدل أن تشعري بها .
المدرسة الذكورية الهاربة: فلسفة الرجل الطائر
وفي الجهة المقابلة، يجلس "الفريق الذكوري" ليشرح للعريس نظرية "الزواج من غير زواج":
"اسمع يا بطل، تزوج ولكن تظاهر أنك لم تتزوج، احتفظ بهدوئك السابق، خروجات الليل، صداقاتك القديمة، هاتفك السري فالزوجة مثل الجمارك: مهمتها التفتيش، ومهمتك التهريب".
متناسين أن الرجولة الحقيقية تشبه الشجرة القوية جذورها عميقة في الأرض، إلا أنها تطير بعيداً كلما هبت ريح المسؤولية.
مختبر النصائح: من أين تأتي هذه الوصفات السامة؟
إنها في الحقيقة إسقاطات لمخاوفنا الشخصية، وترسبات تجاربنا الفاشلة، وربما تعويض عن إحباطاتنا العاطفية، فالكثير من الناصحين يحملون في داخلهم جراحا لم تندمل، فيُريدون حمايتك من آلامهم، لكنهم في الحقيقة يجردونك من فرحتك، وهناك أيضًا العقلية التجارية التي تُحيل العلاقة الإنسانية إلى صفقة مادية، حيث يُقاس الحب بقيمة الهدايا، والاستقرار بسعر الذهب، والالتزام بقائمة المتطلبات المادية، إنه انحرافٌ قيمي خطير، يُفرغ الزواج من روحه الإنسانية، ويحوله إلى مقايضة باردة، والحقيقة المرة أن معظم الناصحين يشبهون ذلك الطبيب الفاشل الذي يصف لك الدواء الذي قتل مريضه السابق، جراحهم الشخصية تتحول إلى "خبرة" يقدمونها هديةً مسمومة والبعض الآخر يحول العلاقة إلى معادلة رياضية:
حب + ذهب = استقرار
قلب - حساب بنكي = فشل مؤكد
وحينما تطبق هذه التعليمات يصبح البيت جلسة استماع قضائية ومفاوضات اقتصادية، وسباق تسلح عاطفي، ولكن السؤال الأهم هو لماذا لا نجرب الحب العادي؟
ماذا لو...
قلنا "أنا أحبك" لأننا فعلاً نحب، لا لأنها خطوة تكتيكية؟
ماذا لو...
اعترفنا أننا نحتاج بعضنا، دون أن نعتبر ذلك ضعفاً؟
ماذا لو...
ضحكنا على أخطائنا بدلاً من تسجيلها في ملفات سوداء؟
والأهم ماذا لو رفضنا أن نكون جيلاً يرث تعاسة الأجيال السابقة، لنرفض أن نحول بيوتنا إلى متاحف لحروب لم نختر خوضها، فماذا لو اتبعنا قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا أحب أحدكم صاحبه أو أخاه فليعلمه"، فالحب الحقيقي شفاف وبسيط، لا يحتاج تكتيكات مظلمة، فلنكن شجعاناً كتلك الفتاة ذات الفستان الأبيض البسيط، التي اختارت أن ترمي كتيب النصائح العشوائية من نافذة سيارتها الزوجية، وتقول لزوجها:
"سنجرب حباً بلا خطط حربية، سنخطئ كثيراً، ولكن سنتعلم معاً، لن أكون لغزاً تحله، بل كتاباً مفتوحاً تقرأه كل يوم بصفحة جديدة".
فالزواج الناجح ليس الذي يخلو من العثرات، بل هو الذي تقفزان معاً فوقها كطفلين يلعبان، لا كجنديين يحفران خنادق، بل هو رحلة استكشافية لشخصين يريدان أن يبنيا معا عالما جميلا، إنه القدرة على التخلي عن جزء من "الأنا" من أجل "النحن"، إنه الفن الراقي في تحويل الاختلافات إلى تناغم، والنقاشات إلى حوار بناء، والأخطاء إلى فرص للنمو، فكما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهلِهِ"، والخيرية هنا ليست في القوة ولا في الذكاء التكتيكي، بل في القدرة على تحويل البيت إلى واحة أمان في عالم مليء بالمعارك، فلنكتب قصتنا الخاصة، بأخطائنا الطريفة، ومشاجراتنا السخيفة، ومصالحاتنا العفوية، ففي النهاية أجمل قصص الحب هي تلك التي تروى بصوت ضحك، لا بصوت محامٍ أو مستشار عسكري.
ولا يخفى على القارئ أن هذه الصورة القاتمة التي يرسمها "دليل العمليات الخاصة للخراب المنزلي" ليست إلا وجها واحدا للحقيقة، تعكس تجارب مريرة ورواسب اجتماعية سامة، فهي تصف علاقة مريضة وليس الزواج في جوهره، ولحسن الحظ توجد خريطة طريق مغايرة تماماً، فالزواج الناجح ليس سراً غامضاً بل هو علم وفن تدرسه علوم النفس والاجتماع، وترشد إليه البرامج التربوية المتخصصة التي تُقوم العلاقات وتُصحح المسار، والأهم من ذلك أنه منظومة قيمية راسخة وضعت أسسها منذ قرون في التعاليم الدينية السمحة، فمن ينظر إلى وصايا أهل البيت (عليهم السلام) في التعامل والرحمة وحسن العشرة يجد فيها أرقى دليل عملي لبناء بيت مستقر، فالإسلام قدم فلسفة متكاملة للزواج تجعله "مَسرة" و"سكناً" و"ميثاقاً غليظاً"، لا ميدان حرب.








اضافةتعليق
التعليقات