تخيل للحظة أن أحدهم وقف أمامكم وقال لكم: أنتِ، وأنتِ، وأنتِ، كل واحدة منكن مسؤولة ليس فقط عن بيتها وأولادها، بل مسؤولة حتى عن أغنام ترعى في مراعي بعيدة، في قارةٍ لا زرتها قط، في مدينة "ساو باولو" البرازيلية! قد تتعجب النفوس وتسأل: كيف تكون مسؤوليتي بهذه السعة؟ وأي صلة لي بتلك الغنمة في طرف العالم؟
ولكن هذا هو بالضبط جوهر الرسالة وعمق الرؤية التي يقدمها لنا الإسلام عن الإنسان وقدرته ومهمته في هذا الكون، بإن ليست المسؤولية مجازا، بل هي حقيقة نؤمن بها، لأن الله تعالى لم يخلقنا كأرقام منعزلة، بل خلقنا بقوةٍ هائلة مُودعة فينا. قوة التأثير بتفصيل أوضحه المربي سماحة السيد هادي المدرسي، في ورشة اقامتها جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية في محافظة كربلاء المقدسة يوم الخميس (11/ 12/ 2025) بعنوان" اصالة الهوية، ترسيخ الانتماء وتربية الشخصية" حيث انطلقت الورشة من أهمية السنوات الأولى في تربية الطفل مؤكدا السيد المدرسي أن السنة الأولى من عمر الطفل هي الأهم في حياته، تليها الثانية من حيث الأهمية فالثالثة، والثلاث سنوات الأولى هي المرحلة الأساسية التي يتعلم فيها الطفل الأصول والاستجابة للأوامر البسيطة (الجلوس، الوقوف، الأكل)، وبإشارة إلى أن التربية تبدأ بتنمية الوالدين للطفل، ثم مع تقدم العمر تصبح مسؤولية الفرد نفسه في تنمية شخصيته، قائلاً: "يجب أن ننمي شخصياتنا، ولا نتوقع من المجتمع تنميتها، حتى المدرسة"، ومنها تفرع بالحديث حول محاور عديدة تنمي هذا الجانب ذاكراً:
أولاً: وسائل التعلم ودور الجامعة
أوضح السيد هادي المدرسي أن للإنسان وسائل عديدة للتعلم تتجاوز جدران المدرسة، من خلال التفاعل مع الناس في الشارع والمشي والجلوس، قائلاً: "كل الأشياء يمكن أن تتحول إلى معلم" وفي كل بيئة من المدرسة إلى الجامعة موضحاً فرق بين نوعين من الجامعات:
· الجامعات السيئة: التي تتحول إلى مكان للمواعدة والمغازلة.
· الجامعات الجيدة: التي يجب أن تكون مكاناً للتعلم والتزكية ومعرفة الله، مستشهداً بقوله تعالى: "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ"، موضحاً أن التزكية تسبق التعليم، ومعرفة الله تسبق التزكية، وهي مهمة الأنبياء.
ثانياً: الطموح وعلو الهمة
اعتبر السيد هادي المدرسي الطموح وعلو الهمة من الإيمان، لأنه يعتمد على التوكل على الله والقدرة على التأثير بشكل استثنائي واستشهد بنموذجين لتأثير الفرد:
1. النبي محمد (صلى الله عليه وآله): الذي بدأ من قرية صغيرة (مكة) وأثر بآياته على الكرة الأرضية كلها، وصار اليوم للأذان والقرآن مئات الإذاعات والقنوات في العالم.
2. مخترع الهاتف النقال (مثل ستيف جوبز): وهو شخص واحد استطاع أن يغير حياة العالم باختراعه.
ثم خلص إلى أن أي إنسان سليم يتوكل على ربه قادر على التأثير على العالم، مستدلاً بالرواية: "واعلموا أنكم مسؤولون حتى عن بقاع الأرض وبهائمها"، فالإنسان مسؤول عن تأثيراته المعرفية والأخلاقية، وكتاب جيد يمكن أن ينتشر ويؤثر في مجتمعات بعيدة.
ثالثاً: دور الأم المحوري:
ربط قوة الإمام الحسين (عليه السلام) وجاذبيته العالمية بالتربية التي تلقاها من أمه فاطمة الزهراء (عليها السلام)، قائلاً: "أهم دور فعلته في الحياة، أهم من أي محاضرة، أي كتاب، أي عمل آخر"، وأكد على أهمية بقاء المرأة في البيت لتربية أولادها، معتبراً إياه الدور الأهم، واستشهد بقوله للحسين (عليه السلام): "أهدى الحسين قلبه لله، فأهدى الله له قلوب المؤمنين".
رابعاً: التنمية الذاتية بلا حدود (العلم والأخلاق):
بين أن لكل شيء في الدنيا حداً إلا العلم والصفات الحسنة، فـ"فوق كل ذي علم عليم"، وحث على ضرورة الاستمرار في التعلم والقراءة والتفكر، معتبراً التفكر من أعظم العبادات كما في حالة أبي ذر، ودعا إلى تنمية الصفات الحسنة بلا حدود، وشرح مراتب العطاء المتصاعدة:
1. الكرم: العطاء عند الطلب.
2. الجود: العطاء دون طلب.
3. الإيثار: تقديم الآخرين على النفس مع الحاجة.
4. المواساة: أقصى درجات العطاء كما فعل العباس (عليه السلام) في كربلاء حين امتنع عن شرب الماء مع العطش الشديد لمواساة أخيه الحسين (عليه السلام) ، ثم أكد على أهمية الصدق بثلاثة مستويات: مع النفس، مع الناس، ومع الله، وضرب مثالاً بصدق أبي ذر الغفاري حتى في الظروف الحرجة.
خامساً: الأصول الثلاثة للتربية الصالحة
1. حسن العلاقة بين الأبوين: فالخلاف بينهما أمام الأبناء يهدم صورة القدوة والأمان لدى الطفل.
2. لقمة الحلال: لأن الطعام الحرام يؤثر سلباً على فطرة الأولاد وسلوكهم من حيث لا يدري الأهل.
3. النموذج الجيد (القدوة): حيث يتعلم الأطفال من سلوكيات الوالدين أكثر من كلامهما، واستشهد بفاطمة الزهراء (عليها السلام) كـ "سيدة نساء العالمين" والنموذج الأعلى للمرأة في العبادة والعلاقة الزوجية وتربية الأبناء، وضرب مثالاً عملياً بحكاية "حجي باقر" وكيف أن وعي زوجته وحسن تعاملها في لحظة خلاف حفظت أسرة وربت أبناءً صالحين، وساعدت في حيوية الزوج حتى شيخوخته ثم انتقل الى دور المرأة كسياج للرجل، حيث أوضح أن الله منح المرأة الغيرة كحاسة سادسة وحصانة لتحمي زوجها من الانحراف، فتراقب وتكون سياجاً له.
وذكر حديثاً نبوياً يشير إلى أن في بعض الأزمنة يكون هلاك الرجل على يد زوجته وأولاده إذا ضغطوا عليه بمتطلبات مادية فوق طاقته، أو على يد أصدقائه وجيرانه إذا عيروه بضيق ذات اليد، وحذر من المقارنة الاجتماعية المادية بين الأسر، ونبه إلى أن الحياة المشتركة تقوم على التفاهم وليس على تقليد الآخرين في المظاهر. واختتم الورشة بالتأكيد على أن قيمة كل شيء في الوجود مرتبطة بخدمته للإنسان، كما في الحديث: "خلقت الأشياء لأجلكم"، وقيمة الإنسان الحقيقية تكمن في ارتباطه بالله، فبدونه يفقد معناه، وبالاتصال به تعلو قيمته إلى ما لا نهاية.
جدير بالذكر، أن جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تركز على تطوير قدرات النساء وحثهنّ على الاستمرار والاستزادة، من خلال توفير بيئة ثقافية داعمة، وفتح آفاق التعبير الإبداعي أمام الأصوات النسوية الواعدة.
كما تسهم في صقل المواهب عبر الأنشطة والورش، بما يعزز حضور المرأة في المشهد الثقافي والفكري.








اضافةتعليق
التعليقات