في سماء الوجود تتلألأ أنوار كواكب هادية، تشرق من أعماق التاريخ لتضيء دروب الحاضر، ومن بين هذه الأنوار يبرز قمرٌ بهي يسبح في فلك لا يعرف إلا مداراً واحداً: مدار الحب والوفاء، إنه قمر بني هاشم، وساقي عطاشى كربلاء، أبا الفضل العباس (عليه السلام)، لكن وجداني يأبى إلا أن يناديه بلقب يجسد جوهر وجوده: قمر الحسين.
فلقد كان العباس قمراً بهياً لبني هاشم، قمراً تنير أنواره محافل العشيرة وأفنانها، لكن حقيقته تكمن في كونه قمراً يدور في فلك شمس عظيمة، هي شمس الحسين (عليه السلام)، فكما أن القمر يستمد نوره من الشمس، كان العباس يستمد وجوده المعنوي من أخيه الحسين "مصباح الهدى وسفينة النجاة" كان مركز الكون لأبي الفضل، ومحور حياته وقراراته، ولعل الآية الدالة على هذا الارتباط الروحي العميق هي أن المرء لا يستطيع أن يتحدث عن أبي الفضل العباس إلا بعد أن يشع اسم الحسين، فذكر العباس مرتبط بذكر الحسين كما يرتبط القمر بسماء الليل فحتى في مولده كان الثالث من شعبان "والشّمسِ وضُحاهَا "، والرابع من شعبان "والقمرِ إذا تَلاهَا ".
لقاء روحاني مع القمر الهاشمي
في إحدى زياراتي لحضرة أبي الفضل (عليه السلام)، اختبرت عمق هذا الارتباط، جلست في عتمة نفسي وسط سكون مهيب يتنفس مع أنفاس الزائرين، هناك بين أروقة الحضرة المقدسة، أرتل زيارة " أبا الفضل العباس"، فيتحول كل حرف فيها إلى جسر يصل الأرض بالسماء، وكل جملة إلى مركبة صعود نحو مقامات القرب، بترانيم تخرق حجب الزمان والمكان
"اَلسَّلامُ عَلَيكَ يَا أَبَا الفَضلِ العَباسَ بنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنينَ"، هذه ليست تحية عابرة بل هي عقد ولاء وبيعة روحية كلمة "أبا الفضل" عنوان لشخصية جمعت الفضائل كلها، فأصبح أبا لها ومصدرا يتفجر منها الخير، "ابن أمير المؤمنين" هذه الصلة امتداد وجودي، فكما أن النهر يحمل في جريانه صفات منبعه، كان العباس يحمل في سلوكه وأخلاقه صفات أبيه أمير المؤمنين علي (عليه السلام).
"اَلسَّلامُ عَلَيكَ يَابنَ سَيِّدِ الوَصِيِّينَ"، هنا يتجلى العباس كثمرة من شجرة طاهرة، نبتت في تربة النبوة، وترعرعت في ظلال الوصاية، إنها سيدية لا تعرف إلا خدمة الحق، ووصاية لا تعرف إلا حفظ الدين.
"اَلسَّلامُ عَلَيكَ يَابنَ أَوَّلِ الْقَومِ إِسلاماً، وأَقدَمِهِم إِيمَاناً"، فهو ابن الإيمان الأول، ابن اليقين الذي لم يسبقه شك، وهذا الإرث الروحي جعله يقف في كربلاء بإيمان لا يتزعزع.
"وَّأَقوَمِهِمْ بِدِينِ اللهِ، وَأَحوَطِهِمْ عَلَى الإِسلامِ"، فكان أبا الفضل المثال الأعلى في التطبيق المستقيم لدين الله، والحارس الأمين والدرع الواقي للإسلام، وهذا الوصف يليق بشخصيته كونه قائداً للجيوش وحامياً للحرم، وقائماً على خدمة إمام زمانه (الإمام الحسين عليه السلام) الذي يمثل الإسلام المحمدي الأصيل، وهذه الصفات هي جزء من الإرث العظيم الذي ورثه عن أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام)، وترجمها في مواقفه الخالدة في كربلاء.
"فَنِعمَ الأَخُ المُواسي"، "نعم" للإعجاب والاندهاش و"المواسي" يعني الذي يشارك في الهم، بل يتحمل الهم عن أخيه، وهذه المواساة وصلت إلى ذروتها عندما وقف على شاطئ الفرات عطشاناً، لكنه لم يشرب قطرة ماء لأنه تذكر عطش أخيه الحسين، والشوق بي يفيض مع كل كلمة من هذه الكلمات، وكلما قرأت زيادة في الزيارة أدركت أن لا احصاء لمعانيها وكأنها أنهار من نور تتدفق في كياني، هذا الشوق ليس عاطفة عابرة، بل هو حالة وجودية، حنين الروح إلى منبعها، عطش القلب إلى من يعرف لغته بلا كلمات.
كنت أشعر بأن حجاباً يرفع من على بصيرتي، وأن مسافة الزمان والمكان تتلاشى، وفي ذروة هذا الشوق، حدث الحوار الصامت لا كلمات تُنطق، ولا حروف تُكتب، بل همسات روح إلى روح، كان العباس (عليه السلام) "يمسح بيديه الحانيتين على رأس الزائرين بعدما يلامسون شباك الضريح".
أي لمسة هذه، إنها ليست يداً مادية تلمس الجسد، بل هي يد رحمة تمسح على جراح الروح، تعيد تركيب القلب المكسور، تزرع الطمأنينة في أعماق النفس المضطربة، إنها لمسة أبٍ حنونٍ لولده، لمسة أخٍ رؤوف لأخيه، وفي تلك اللحظات بين يدي أبي الفضل، ولدت من جديد ولادة روحية تجعل المرء يشعر بأن العباس (عليه السلام) لم يولد مرة واحدة في الرابع من شعبان، بل يولد في كل قلب يزوره بإخلاص، في كل روح تفتش عنه بحب، كما ولد في قلبي كمعنى جديد للوفاء، كصورة حية للتضحية، كتجسيد عملي للإيمان الذي لا يتزعزع.
في حضرة الساقي: جسور من نور
قمر بني هاشم، هذا اللقب ليس مجرد تشبيه بلاغي فالعباس (عليه السلام) كان بالفعل قمراً يضيء ظلام كربلاء، وينير درب الحسين (عليه السلام)، وهو اليوم يبقى قمراً ينير دروب التائهين، يهدي الحائرين، يمد يده للعاثرين، كما أنار دربي فخرجت من زيارته (عليه السلام) وأنا أحمل في قلبي نوراً جديداً ويقيناً متجدداً بانني لست وحيدة، بأن معي من يحمل همي، من يشاركني ألمي، من يمد يده ليرفعني عندما أتعثر، وهكذا تبقى ذكرى أبي الفضل العباس (عليه السلام) شعلة متقدة في قلوب المحبين، وقمراً منيراً في سماء الوفاء، يذكرنا دوماً بأن في السماء أنواراً لا تنطفئ، وفي الأرض أرواحاً لا تموت، وفي التاريخ سيراً تخلد وتتجدد بخلود القيم التي جسدتها، وهذه الزيارة ليست طقوساً، بل هي حياة متجددة وعهد متجدد بين الروح العطشة ومنبع الوفاء الخالد، فسلام على قمر الحسين، الذي لا يزال يضيء دروب الهادفين إلى الحقيقة، ولن يغيب ما بقي في الأرض قلوب تبحث عن النور.








اضافةتعليق
التعليقات