نظمت جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية محاضرة ثقافية مع آية الله السيد مرتضى الشيرازي (دام ظله) في مدينة النجف الأشرف، وذلك بتاريخ 20/2/2026.
استهل سماحة السيد كلامه بالآية القرآنية الكريمة:
{لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}، ويقول جل اسمه: {لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}. هاتان "اللامان" ترسمان مسؤولية ومهمة ودور الأنبياء والأوصياء في حياتنا، ومن ثم مسؤوليتنا نحن بدرجات لاحقة.
فما هي العلة الغائية والهدف من بعثة الأنبياء وتعيين الأوصياء؟ ونحن في شهر رمضان المبارك نعيش أجواء ولادة الإمام المجتبى (ع)، ثم أجواء الحزن في استشهاد أمير المؤمنين (ع)، وقبل ذلك في شهر شعبان عشنا أياماً تُوّجت بمولد الإمام المهدي المنتظر (عج)؛ يطرح هذا السؤال نفسه: ما هو الهدف والمتوقع منا؟
تتحدث الآيتان (أو اللامان) عن ذلك على مستويين:
على مستوى العقل النظري: {لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}.
على مستوى العقل العملي: {لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}.
أولاً: إخراج الناس من الظلمات إلى النور (العقل النظري)
المقصود بالظلمات هنا عدة مراتب:
ظلمة الجهل: لأن الجهل ظلمة والعلم نور كاشف لنفسه ولغيره.
ظلمة الكفر: فالكفر ظلم والإيمان نور.
ظلمة الظلم: "الظلم ظلمات"؛ ويشمل ظلم الرجل لزوجته، أو الأم لأبنائها، أو الزميل لزميله، أو المسؤول لشعبه. هذا الظلم يسبب ظلمة في القلب تمنع الإنسان من استشعار لذة المناجاة وصلاة الليل.
ظلمة القبر والقيامة: المؤمنون {نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ}، أما الكافر ففي ظلمات.
ثانياً: قيام الناس بالقسط (العقل العملي)
يُراد بالقسط عادةً العدل المالي، وبالعدل الحقوق الأخرى ومنها الأنفس. وهذا هو الدور الأساسي للناس منذ آدم إلى خاتم الأوصياء.
دور الأئمة (عليهم السلام) في الحياة
يطرح البعض سؤالاً: هل كانت مسؤولية الأئمة إقامة الحكومة الإسلامية؟ وإذا كانت كذلك، لمَ لم يقيموها (إلا في فترات يسيرة)؟ ولمَ لم يقم الإمام الصادق (ع) حكومة؟ هل كان دورهم التدريس فقط؟
دورهم بعبارة موجزة ينقسم إلى أمرين:
الدور الأول (قيادة الأمة): قيادة الشعوب والعالم لتحقيق إخراج الناس من الظلمات وإقامة القسط. هذا الدور لم تُمكِّنهم الأمة منه؛ فأمير المؤمنين (ع) كان الأمر يتوقف عنده على وجود أربعين بطلاً، ولم يتوفر إلا أربعة.
الدور الثاني (بناء الإنسان): عندما عجزت الأمة عن تمكينهم من القيادة، انشغلوا ببناء الفرد الرسالي، وهي مسؤولية عظيمة تقع علينا أيضاً.
نماذج من التربية الإلهية لبناء الإنسان:
المسؤولية الاجتماعية: ورد في الرواية: "أيما مؤمن منع مؤمناً شيئاً مما يحتاج إليه وهو يقدر عليه... أقامه الله يوم القيامة مسوداً وجهه، مزرقة عيناه، مغلولة يداه إلى عنقه... فيقال هذا الخائن الذي خان الله ورسوله". فكل ما نملك من مال أو وجاهة أو فكر هو أمانة يجب استثمارها في خدمة الناس.
روح الجماعة: في الكافي عن أبي إسماعيل، سأل الإمام الصادق (ع) عن الشيعة وما يصنعون، وهل يواسي بعضهم بعضاً حتى يدخل أحدهم يده في جيب صاحبه فيأخذ ما يريد فلا يمنعه؟ فلما قال: "لا"، قال الإمام: "فليس هؤلاء من شيعة".
التكافل في السكن: يقول الإمام الصادق (ع): "من كانت له دار فاحتاج مؤمن إلى سكناها فمنعه إياها، قال الله عز وجل: يا ملائكتي أبخل عبدي على عبدي بسكنى الدار في الدنيا؟ وعزتي وجلالي لا يسكن جناني أبداً".
قضاء الحوائج رحمة: إن حاجة الناس إليكم هي رحمة من الله، ومن ردها وهو يقدر، سلط الله عليه شجاعاً (أفعى) من نار في قبره.
أمثلة عملية من جيل التربية المعصومية:
محمد بن أبي عمير: من "أصحاب الإجماع"، عُذِّب وفقد بصره وأمواله وكتبه في السجن. ولما خرج احتاج للمال، فجاءه رجل مديون بـ (10 آلاف درهم) باع داره ليسددها. رفض ابن أبي عمير أخذ المال وقال: "لا يُباع في الدين مسكن الإنسان"، هكذا رباهم الأئمة.
سلمان المحمدي: كان حاكماً على المدائن، ومع ذلك كان يقطع الحطب ويبيعه ليعيش من كسب يده، ولم يسكن القصور بل بنى بيتاً صغيراً بيده.
أبو حمزة الثمالي: الذي قال عنه الإمام الرضا (ع): "أبو حمزة في زمانه كلقمان في زمانه".
إذن، الدور الأساسي الذي اضطلع به الأئمة هو بناء الإنسان. فلنضع هاتين الآيتين نصب أعيننا دائماً كغاية لبعثة الأنبياء:
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}.
{كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}.








اضافةتعليق
التعليقات