في قراءة فكرية معمقة تتجاوز الأطر التقليدية للعمارة والمكان، وضمن حوار استثنائي في برنامج "محطات" الذي يبث عبر شاشة قناة الأنوار الفضائية، قدم الباحث والكاتب الشيخ مرتضى معاش أطروحة حضارية شاملة حول دور المراقد المقدسة والمساجد في صيانة الذاكرة الجمعية للأمة. وسلط الشيخ معاش الضوء بشكل مكثف على قضية "إعمار البقيع الغرقد"، معتبراً إياها ليست مجرد قضية بناء عمراني، بل هي معركة وجودية لاستعادة الهوية في زمن يواجه فيه الجيل الجديد تحديات "العدمية الرقمية" والاغتراب الثقافي.
المراقد كحواضن للمناعة الحضارية
استهل الشيخ مرتضى معاش حديثه عبر قناة الأنوار بتفكيك المفهوم الهندسي للمراقد المقدسة، مؤكداً أن هذه الأماكن ليست مجرد أشكال هندسية صامتة، بل هي "حواضن روحية" ومختبرات لصناعة القيم. واستند في رؤيته إلى فارق دلالي قرآني بين مفهومي "المنزل" و"البيت"، موضحاً أن المنزل هو مكان النزول العابر، بينما "البيت" هو الفضاء الذي يتحقق فيه الاطمئنان والأمان الروحي والالتصاق القيمي.
وأشار الشيخ معاش إلى أن النص القرآني حين يتحدث عن بيوت أذن الله أن ترفع، فإنه يشير إلى مراكز الاستقرار الروحي التي تمنح الإنسان هويته. واعتبر أن "الرفع" هنا يحمل بعدين: مادياً يتمثل في العمران الشامخ الذي يرسخ الصورة الذهنية للقوة والعظمة، ومعنوياً يتمثل في سيادة القيم والأخلاق المستمدة من الشخصيات الرسالية التي تضمها تلك الأضرحة.
قضية البقيع: التخريب المعنوي ومحاولات مسح الذاكرة
وفي محور رئيسي من الحوار، توقف الشيخ معاش عند مأساة البقيع الغرقد، واصفاً ما تعرضت له قبور أئمة البقيع (عليهم السلام) بأنه عملية "تخريب معنوي" متعمدة. وأكد أن المستبد عبر التاريخ حين يعجز عن محو فكر الأئمة (عليهم السلام)، يلجأ إلى هدم شواخصهم المادية لمنع "الرفع المعنوي" وقمع الرمزية في الوجدان الجمعي.
وشدد معاش على أن استمرار خراب قبور أئمة البقيع هو "تخريب ممنهج للذاكرة الحضارية"، يهدف إلى قطع الأوعية الناقلة للقيم بين الماضي والحاضر. ووصف هذا الإهمال أو المنع بأنه "عقوق صارخ" بحق الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، محذراً من أن غياب الإعمار المادي يؤدي بالضرورة إلى إضعاف الحضور البصري والذهني للقدوة في نفوس الأجيال، مما يسهل عملية استلاب هويتهم.
المواجهة مع "العدمية الرقمية" وسجن الخوارزميات
انتقل الشيخ مرتضى معاش في حواره عبر برنامج "محطات" إلى تشخيص تحدٍ معاصر وصفه بأنه "أعقد من الحروب العسكرية"، وهو "العدمية الرقمية". وحذر من أن الانغماس الأعمى في الفضاء الافتراضي، المحكوم بخوارزميات غريبة عن قيمنا، يؤدي إلى حالة من "الذهول الروحي" والنسيان المبرمج للذات.
وأوضح معاش أن التكنولوجيا قد تتحول إلى "نقمة" حين تصبح أداة لفصل الشباب عن مراكز إشعاعهم الروحي. واستحدث مصطلح "التخريب المعنوي للمساجد"، مشيراً إلى أن التخريب لا يكون فقط بالمعول، بل بالانفصال الشعوري؛ فحين يهجر الشاب زيارة المراقد وينغمس في "الثقب الأسود" الرقمي، فإنه يمارس "منعاً ذاتياً" لوعيه، ويقع في فخ الفسوق الحضاري الذي حذر منه القرآن في قوله تعالى: ((نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ)).
المراقد كمعاقل للصمود في زمن الأزمات
تطرق الحوار إلى الدور التاريخي للمراقد المقدسة كملاذات آمنة إبان النكبات والفتن. واستذكر الشيخ معاش كيف كانت هذه الحواضن، لاسيما في العراق، معقلاً للصمود في وجه الأنظمة الاستبدادية والاحتلالات المتعاقبة. وضرب مثالاً حديثاً بجائحة كورونا، حيث تحولت المراقد والمواكب الحسينية إلى مراكز للتكافل الاجتماعي ونجدة الأمة، مما يثبت أن المرقد ليس مكاناً للعبادة المنعزلة، بل هو محرك للعمل الميداني والإيثار.
واعتبر أن اللجوء للمراقد هو طلب لـ "الأمان الاستراتيجي"، حيث يستمد الزوار طاقة الصمود لمواجهة ضغوط الحياة وتجاوز الأزمات النفسية والمادية، مما يمنح الأمة "ديمومة البقاء" في وجه محاولات التفتيت.
رؤية تطويرية: نحو "المسجد الحركي" والتعليم التفاعلي
طرح الشيخ مرتضى معاش من خلال شاشة الأنوار الفضائية جملة من التوصيات العملية لتطوير دور المراقد والمساجد لتواكب لغة العصر وجيل الشباب، منها:
1. تحديث لغة الخطاب: تجاوز الأساليب التقليدية والجامدة، واستخدام لغة تفاعلية تخاطب عقل الشاب وتجيب على تساؤلاته الوجودية، مع الاستفادة من الفنون والأدب والمسرح الهادف لربط الماضي بالمستقبل.
2. الحوار المفتوح: دعا معاش القائمين على المؤسسات الدينية إلى امتلاك "رحابة صدر" لاستقبال إشكالات الشباب وتساؤلاتهم العقائدية، مؤكداً أن التهميش هو ما يدفع الشباب للارتماء في أحضان "الإدمان الرقمي".
3. تحمل المسؤولية الاجتماعية: تحويل المراقد إلى بيئات للخدمة العامة والعمل التطوعي لكسر طوق "الفردية الاستهلاكية" والكسل الذي تفرضه التكنولوجيا.
4. النقد الإداري البناء: أكد معاش على ضرورة وجود نقد إداري للمؤسسات القائمة على المراقد، مشدداً على أن نجاح الإدارة يقاس بمدى قدرتها على "العمران المعنوي" وجذب الشباب وتأهيل شخصياتهم، وليس فقط بالعمران المادي.
ميثاق إعمار البقيع: نداء للمؤسسات والحكومات
وفي ختام تقريرنا المستخلص من رؤية الشيخ معاش، وجه الأخير نداءً للمؤسسات والحكومات ووسائل الإعلام، مؤكداً أن إعادة إعمار البقيع الغرقد يجب أن تتصدر الأولويات الحضارية. واعتبر أن إعمار هذا المكان المقدس هو "ترميم للوجدان الشيعي" وصيانة لذاكرة الأمة التي تفتخر بانتمائها للزهراء البتول وأئمة البقيع (عليهم السلام).
ودعا إلى ضرورة تضافر جهود الباحثين والأكاديميين والخبراء لتقديم "مشاريع عملية" تستثمر في تطوير الأجيال داخل هذه الحاضنات المقدسة، مؤكداً أن معركة إعمار البقيع هي في جوهرها معركة "إعمار الوعي" ضد الغزو الثقافي والضياع الرقمي.
انتهى حوار الشيخ مرتضى معاش في برنامج "محطات" برسالة أمل، داعياً الله أن يرزق الأمة شرف المساهمة في هذا الإعمار المادي والمعنوي، لتظل هذه المراقد منارات للرؤية وسط ضجيج العماء العالمي، وحصوناً للكرامة الإنسانية التي لا تقبل النسيان.








اضافةتعليق
التعليقات