أغمضتُ جفني على ضجيج الدنيا، فانساب بي خيالي في لجة الزمن، حيث لا مكان ولا زمان،لا أينَ ولا متى، إلا صوتاً يتهادى كترانيم الملائكة، ينشده زائرٌ ذاب وجداً أمام ضريح الوفاء، كانت الكلمات تقطر عذوبةً كأنها قادمة من ملكوتٍ طاهر:
حسينُ يا قمرَ الهدى وسفينَ النجاةِ... بك الربى تفخرُ وبالموجِ تحياهِ
ميلادُك الفجرُ الذي بشرَ الرحمنَ به... وبدرُك الغر الذي أشرقت فيه السماه
نفذت هذه الكلمات من خلال مسام روحي، فخلعتُ عن قلبي أثقال الحاضر، وحططتُ رحالي بخيالاتي في المدينة المنورة، في ليلةٍ من ليالي شعبان المعظم، كأنها الفجر الصادق الذي انتظره الوجود ليصحح مسار التاريخ، وعلى أبواب تلك الدار التي تتنفس النور، في زقاقٍ يفوح بعطر الوحي، حيث تقف دار الإمام علي وفاطمة الزهراء (عليهما السلام) وهي تتهيأ لاستقبال "السر الإلهي"، كانت المدينة تترقب، والكون بأسره في حالة خشوع، وفجأةً انشق ليل الدنيا عن نورٍ باهر
لقد وُلد الحسين!
ليس مجرد طفلٍ يُزف لبيت النبوة، بل هو "الشمس" التي قُدر لها أن تشرق مرتين: مرةً في يثرب لتملأ بيت النبي فرحاً، ومرةً في كربلاء لتملأ ضمير الإنسانية حرية، أراه في مهد الطهر، وبين عينيه بريقٌ ليس كأي بريق، إنه وميضُ الثورة الممزوج بحزنِ الشهادة المختبئ في طيات الغيب، لقد أرهب صراخه الأول عروش الطغاة قبل أن تُبنى، لأنهم أدركوا أن من يحمل اسم "الحسين" يحمل معه "لا" الأبدية في وجه الظلم، وحين ضمه المصطفى (صلى الله عليه وآله) إلى صدره، نطق بالكلمة الفصل التي اختصرت الوجود: "حسينٌ مني وأنا من حسين"، يا له من سرٍ عظيم كأن النبي يقول: أنا الجذر وهو الثمرة، أنا الرسالة وهو البقاء، أنا الروح وهو نبض الخلود.
كربلاء.. حيث الغياب حضورٌ أبدي
أصحو من خيالاتي فتجرني روحي وتطوي بي الأشواق المسافات، فأجدني أقف في حضرة "الشمس الغائبة الحاضرة"، في كربلاء المقدسة، حيث استقر جسد النور بعد أن غاب عن أفق الدنيا ليشرق في أفق القلوب، أدخل الحرم الحسيني، فتمتزج في صدري زفرتان: فرحة الميلاد التي تراقصت لها أكوان شعبان، ولوعة المصاب التي بكت لها رمال الطف، أرنو إلى القبة الذهبية، فأراها كقطعةٍ من الشمس هبطت لتستقر فوق ثرى الحسين، لتخبر العالم أن الشمس لا تغيب أبداً، بل هي رحلةٌ من أفقٍ إلى أفق، ومن ولادةٍ في حجر الزهراء إلى خلودٍ في عرش الله، وهناك عند عتبة الضريح، أردد مع الشاعر محمد الحرزي نبضات الحب:
فَدَتكَ بِنَفسِها كَرَماً وَعِشقا... وَنُحتَ لِفَقدِها عِزاً وَشَوقا
هي الزهراءُ حَيثُ دُعيتَ أُمّاً... وَأنتَ حُسَينُها فيما سَتَلقى
وأَرسَلَها على الدنيا سَحاباً ... و لَولا أَنتَ لم نَرَ فيهِ بَرقا .
وكأنه يصف عناقُ البداية والنهاية في كلماته، فأتقدم نحو الضريح، وأكاد أسمع صدى الزمان، أسمع مناغاة الزهراء لوليدها بآهاتٍ تخبئ وجع المستقبل، وأسمع بكاء علي (عليه السلام) وهو يرى في كفي وليده خارطة جرحٍ سيسيل على عطش الفرات، أضع يدي على الشباك المقدس، فأتخيل كف النبي وهي تمسح على رأس الحسين الصغير، لم تكن تمسح على طفلٍ فحسب، بل كانت تبارك مسيرة الإنسانية، تمنحها صك الغفران والحرية، وتزرع في عروق الأحرار مصل الخلود.
لقد كان ميلاد الحسين بدايةً لقصةٍ لم يُكتب لها "النهاية"، بل كُتب لها "الاستمرار" في كل صرخة حق، وفي كل يدٍ ترتفع لتهز عرش ظالم، ونقف نحن محبيه مرددين ببابه يا مولد النور في شعبان، لقد علمتنا أن الحياة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأنفاس، بل بحجم التضحية، لقد ولدتَ محبةً، وعشتَ كرامة، ومت فداءً، وبقيتَ في ضمير الدهر نشيداً لا يمله الأحرار،أنت الذي بزغت في شعبان كبشرى، وبلغت ذروة العطاء في محرم كقرآنٍ ناطق، وما زلت تشرق في قلوبنا كلما أظلمت الدنيا بنا، فلمسة منك ياسيد الاحرار ،لمسة تخبرنا ان طرقنا لبابك مسموع ووجودنا بجانبه مقبول.
سلامٌ عليك يا أبا عبد الله، يا شمساً لا تعرف الغروب، ويا ثورةً لا تعرف السكون، ويا حكاية بدأت بـ "قبلةٍ" من ثغر النبي، وانتهت بـ "قبلةٍ" من سيوف السماء على نحرك الشريف، ليبقى وجهك وجه الحق الذي لا يغيب ، فيا سيد الأحرار، إن ميلادك لم يكن يوماً في الروزنامة، بل هو ميلادٌ يتجدد فينا كلما انتفضت في عروقنا نُطفة كرامة، وكلما لجأنا إلى بابك بكسر قلوبنا فجبرتها بفيضِ جودك، نحنُ لا نأتيك لنبكِ ولادتك أو رحيلك، بل نأتيك لنغتسل بضوئك من عتمة الطريق، فسلامٌ على النحر الذي قبلهُ سيد الخلق، وسلامٌ على الحسين الذي كلما حاول التاريخ أن يطوي صفحته، انبثق من غلافه شمساً تعلن أن الحق لا يموت، وأن الحسين فينا حياةٌ لا تعرف الفناء.








اضافةتعليق
التعليقات