في عصر تتهاوى فيه القيم، وتتشوه فيه المعاني، وتتحول فيه العلاقات الإنسانية إلى معاملات مادية جافة، يشتد الوجع الإنساني بحثا عن معنى يتعالى على المادة، وسمو يرفع الإنسان عن درك الأنانية والصراع، وفي خضم هذا التيه يبرز سؤال مصيري: هل يمكن للبشرية أن تجد مخرجا من هذه الدوامة الأخلاقية؟
الإجابة كانت منذ قرون، في ذلك اليوم التاريخي الذي أشرقت فيه الأرض بنور الوحي، وبدأت فيه أعظم ثورة أخلاقية عرفتها البشرية بحديث عن الصادق الامين محمد صلى الله عليه واله :"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
جوهر الرسالة: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"
هذه الكلمات النبوية الشريفة لم تكن مجرد عبارة عابرة، بل كانت دستورا ومنهاجا، واعلاناً رسميا عن الغاية العظمى من البعثة المحمدية، لقد حدد النبي (صلى الله عليه واله) الهدف بوضوح الشمس: إتمام مكارم الأخلاق ، فهو لم يأتِ ليؤسس إمبراطورية، أو ليحقق انتصارات عسكرية، أو ليترك أثرا ماديا عابرا، بل جاء ليبني الإنسان، ليصوغ الضمير، ليرتقي بالسلوك، وليحيي القلوب قبل الأجساد، ولنفهم عظمة التحول الذي أحدثه الرسول، يجب أن نستحضر واقع الجزيرة العربية قبل البعثة: مجتمع تسوده العصبية القبلية العمياء، حيث القوي يأكل الضعيف، والغني يستعبد الفقير، والمرأة سلعة تباع وتشترى، والأخلاق نسبية تتغير بتغير المصالح ، في هذا الجو الخانق، جاء الإسلام ليعلن ثورة أخلاقية شاملة، جاء ليحول الكرم من مفاخرة قبلية إلى رحمة إنسانية عامة، والشجاعة من عدوانية وغزو إلى دفاع عن المظلومين، والصدق من صفة فردية إلى نظام حياة اجتماعي، و الوفاء من التزام قبلي إلى عقد إيماني مع الله والإنسان.
الأخلاق في الممارسة النبوية: النظرية والتطبيق
لم تكن أخلاق النبي (صلى الله عليه واله) خطبا حماسية تلقى في المناسبات، بل كانت نمط حياة متكامل، يتجلى في أصغر التفاصيل وأكبرها:
. في التعامل الشخصي:كان (صلى الله عليه واله) يمشي مع الضعيف، ويجلس مع المسكين، ويبدأ من يقابله بالسلام، ويحسن إلى من أساء إليه.
. في العدالة الاجتماعية: جعل المساواة بين الناس أساسا للتعامل، فيتساوى الجميع في الحقوق والواجبات أمام شريعة الإسلام، وألغى الإسلام الفوارق الطبقية والعرقية وجعل التقوى هي المقياس الوحيد للتفاضل.
. في الرحمة: كانت رحمته (صلى الله عليه واله) تشمل الإنسان والحيوان والبيئة، منع تعذيب الحيوان، وحث على زراعة الأشجار حتى لو كانت القيامة تقوم، وكان يوصي بالنساء خيرا ويقول: "استوصوا بالنساء خيرا".
. في الصدق والأمانة: عُرف بالصادق الأمين قبل البعثة، وظل هذا وصفه بعد النبوة ، حتى أعداؤه كانوا يثقون به ويودعون عنده أماناتهم، لقد جعل الصدق سياسة دولة، والأمانة منهج حكم.
وبهذا يكون النبي (صلى الله عليه واله) قد قدم نموذجا أخلاقيا متكاملاً يربط بين:
1. الأخلاق مع الله: بالعبادة الخالصة، والشكر الدائم، والاستقامة على الطاعة.
2. الأخلاق مع النفس: بالاعتدال، وحفظ الجوارح، وتزكية القلب.
3. الأخلاق مع الآخرين: بالعدل، والإحسان، والعفو، والتسامح.
4. الأخلاق مع الكون: بالاستخلاف الرشيد، وعدم الإفساد في الأرض.
محدثاً تحول في المجتمع العربي ليشبه المعجزة، فقد حول قبائل متناحرة تعيش على الغزو والنهب إلى أمة متماسكة تقوم على الأخوة والتعاون، وهذا التحول لم يكن بفعل القوة العسكرية، بل بقوة الأخلاق، بصدق الرسالة، واستقامة حاملها، فكان النبي منهج التربية الأخلاقية حيث اعتمد في تربية أصحابه على منهج متدرج:
· التربية بالقدوة: كان هو النموذج الحي للأخلاق التي يدعو إليها.
· التربية بالموقف: يستغل الأحداث اليومية لغرس القيم.
· التربية بالحوار: يحاور أصحابه ويقنعهم بالحكمة.
· التربية بالتدرج: يبدأ بالأهم فالمهم
وهو مانحتاجه في هذا العالم علاجاً فعالا يعيد انفسنا الى فطرتها السليمة، يعيد الاعتبار للإنسان ككائن أخلاقي قبل أن يكون كائنا اقتصاديا، الى خلق يجعل المادة وسيلة لا غاية، و يعلي من شأن الضمير الحي والرقابة الذاتية، ويجمع بين حقوق الفرد ومصلحة المجتمع في توازن بديع، وليس هناك افضل من النبي قدوة واسوة حسنة.
ختاماً، يبقى المبعث النبوي الشريف برهاناً ساطعاً على أن الأخلاق هي ركيزة الحضارات وقوام البقاء، و إن الاحتفاء الحقيقي بهذه الذكرى لا يكون باستذكار الماضي فحسب، بل بتحويل تلك القيم المحمدية إلى سلوكٍ يومي، وممارسة حية في بيوتنا، وأسواقنا، وعلاقاتنا، فالعالم اليوم لا ينتظر منا نظريات في الأخلاق، بل ينتظر نماذج بشرية تجسد رحمة النبي، وصدقه، وعدالته ،فهل نحن مستعدون لنكون "المعجزة الأخلاقية" التي يحتاجها هذا العصر؟.








اضافةتعليق
التعليقات