تخيل للحظة... أن تضع يدك على صدرك، فتجد نبضه خفيفا منتظما، لكنك تسمع معه صدى نبض آخر، أعمق، أغيب، نبضٌ كأنه ذاكرة الكون الناقصة، أو صلاة الأرض التي لم تكتمل بعد، تخيل قلبك وقد توقف عن الخفقان خوفا أو شوقا، وبدأ ينبض بنظام آخر نظام سماوي يسري فيه الأمل دماً، والانتظار نفساً، والوعد يقيناً، إنه نبض غائب عن أعيننا، حاضر في أغوار أرواحنا، ينبض باسمه: المهدي (عجل الله فرجه).
هذا هو الفجر الذي لا يشرق من أُفُق السماء، بل ينبثق من أعماق القلوب التي ملت ظلمة اليأس، وتاقت إلى نور يعيد للوجود تناغمه الضائع، إنه ليس مجرد مصلح يصلح أمر السياسة والاقتصاد، بل هو الجراح الإلهي الذي يخيط بيديه اللطيفتين تمزقات الروح البشرية، ويلملم شتات المشاعر المتناثرة تحت أقدام الزمن، إنه "مغناطيس القلوب" الذي لا يجذب الحديد، بل يجذب الأشواق والأحلام والدموع المكبوتة في زوايا الليالي الطويلة وكما وصفه الإمام علي (عليه السلام) بتلك العبارة التي تكاد تقطر عسلا وحنينا: "إذا نادى مناد من السماء، إن الحق في آل محمد، فعند ذلك يظهر المهدي على أفواه الناس، ويشربون حبه، فلا يكون لهم ذكر غيره".
وبوصفه :"ويشربون حبه"، أرأيتم كأس الماء البارد في قيظ الظمأ، كيف ينسابُ السائل عذباً في مسار العطش، فيروي كل خلية، ويبعث الحياة في كل شريان؟
هذا هو حبه، ليس عاطفة نقرأها في قصيدة، ولا كلمة نرددها في مجلس، بل هو الشراب الذي يُسقى به قلب الإنسان بعد عمر من العطش إلى الحقيقة، إلى الانتماء، إلى معنى يبرر كل هذا الجمال وهذا الألم إنه الري الذي لا يروي الجسد، بل يغسل الروح من أدران القنوط، ويملؤها طمأنينة كطمأنينة الطفل في حضن أمه، في تلك اللحظة المُعجزة، يكتشفُ الانسان أن كل ما سعى له، وكل ما خاف منه، وكل ما حلم به كان مجرد ظل لحقيقة واحدة: ذلك الوصل الإلهي، واللقاء مع حجة الله، الذي يجعل الوجود كله أغنية واحدة متناغمة.
ولذا، فاحتفالنا بالخامس عشر من شعبان ليس استذكاراً لتاريخ مضى، بل هو استبصار بمستقبلٍ قادم، وانتفاضة على منطق اليأس الذي يُريد أن يقنعنا أن الليل أبدي، وأن النهار وهم، إنه إعلانٌ صريح بأن الأمل ليس خياراً، بل هو فريضة، وضرورة كالتنفس، نحن نحتفل بانتصار "فكرة الله" على أرض الواقع، حين يصبح العدل طعماً ومذاقاً، لا شعاراً مُعلقاً.
ولكن... أي انتظار هذا الذي نعيشه، أيكون الانتظار جلوساً على عتبات الأبواب، وترقباً سلبياً كمن ينتظر المطر من وراء الزجاج، كلا ففي مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، يصبح الانتظار جوهر الحركة، وروح العبادة، وشرط القبول عند الله، وها هو الإمام علي (عليه السلام) يوضح: "أفضل عبادة المؤمن انتظار فرج الله"، مبينا أن إيمانك بالله الواحد الأحد، لن يكتمل حتى تؤمن بأن عدله المطلق سينتصر، وأن غيابه الظاهر هو مقدمة لحضور سيملأ الدنيا شعاعاً، ومؤكدا على ذلك الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) في حديث طويل: "أفضل العبادة بعد المعرفة انتظار الفرج".
إذاً الانتظار هو أن تبني نفسك لاستقبال ذاك النور، أن تُهيئ قلبك ليكون مرآة صافية تعكس شمسه، أن تصير أنت في أخلاقك وأفعالك قطرة من ذلك البحر الذي ينتظره العالم، فإننا لا ننتظر إنساناً يأتينا من مجرة بعيدة، نحن ننتظر الفجر الذي ينبعث من صميم ظلامنا، والنبض الغائب ليعود إلى أوصال هذه الأرض الواهنة، فخفاؤه (عليه السلام) ليس غياباً، بل هو حضور أعمق، كحب يسكن القلب فلا ترى العين علاماته لكن كل كيانك يشهد به، هو الحاضر في أنفاسنا حين نطلب الحق، في دموعنا حين نستغفر، في عزمنا حين نقاوم الباطل، لذلك فليكن انتظارنا، إذاً، ولادة يومية
- ولادة للصدق في زمن الرياء
- للأمل في زمن القنوط
- للجمال في زمن القبح
فكل عمل خير نفعله، وكل ظلم نرفضه، وكل حقيقة ننطق بها، هي خطوة نمشيها نحو ذلك الفجر، ونداء ننادي به: أقبل فإن قلوبنا قد أُعدت، وعطشنا قد بلغ أقصاه، ونبضنا ينتظر نبضك ليكتمل إيقاع الكون فنرتوي بك، وفي هذا الوقت الذي ننتظر به إذا سألنا سائل: ماذا ننتظر؟
لا نجِيب بأننا ننتظر رجلاً، بل نقول: أننا ننتظر الجزء الأصفى من أرواحنا الذي لم يولد بعد، ونستدير بكل كياننا نحو ذلك الصوت الهادئ الذي يهمس من وراء حُجُب الزمان: "إنني قادم"، فنعد أنفسنا للقاء لن يكون لقاءً بشرياً عادياً، بل سيكون كاستيقاظ القلب من سبات طويل، ليجد الشمس قد دخلت حجرته، والنور يملأ كل زاوية مظلمة فيه، يومها سنعلم أن الانتظار لم يكن وقتاً ضائعاً، بل كان الحبل السري الذي ظل يغذينا طوال رحلة الظلمة، لينقلنا عند اكتمال النضج إلى نور الوعد المتحقق، يومها سنصرخ جميعاً وقد ذاب الفرق بين الداخل والخارج، بين النبض الغائب والحاضر: ها قد ولد الفجر... منا.








اضافةتعليق
التعليقات