الدائرة، شكلٌ هندسيّ يتميز بعدم وجود زوايا، فكل نقطة من حدودها الخارجية يُبعدها عن مركز الدائرة مسافة متساوية، وهي تُحيط ما يقع داخلها احاطةً تامة، تحتويه وتضمه اليها مانحةً إياه الثقة بإنه لن يصدم بخطٍ مستقيم أو زاوية قائمة أو رأسٍ مثلث، فحيثُما أولى وجهه يجدُ طوقاً منحنياً باتجاهه، يشملهُ بالعطف والرعاية. تدخلُ الدائرة في كثير من الأوصاف التي نروم فيها الشمول والإحاطة، مثل: (الهالة، المدار، النطاق، الحلقة، المحيط، والفقاعة)؛ فلا يمكنك ايجاد وصف أكثر دقّة من كلمة (هالة) لتصف الضوء المحيط بالجسم المضيء او بتعبير مجازي هالة التأثير أو حلقة الوصل أو فقاعة التطور التكنلوجي، أو مدار الكوكب، وما شابه من تعابير تتسم بالشمولية والانتماء.
تمنحك الدائرة انسيابية الحركة، لا تحدّك ولا تقيّدك، بل تتشكل وفق نمط حركتك، وتتسع مع اتساع نطاق تطورك داخلها، لا تحاصرك ولا تُملي عليك قوانين حادّة، تُشعرك بالألفة وكأنك كنتَ جزءاً منها منذ خلقك الأول، امتداد لا مرئي ينشأ بينك وبينها، فأنت في كل أحوالك في محياك ومماتك تتغلغل داخل دائرة، دائرة الولادة الأولى، دائرة العائلة، ثم المجتمع والعمل والزواج والإنجاب والنجاح والفشل وكل ما يلاقيك في الدنيا يضعك ضمن دائرته، شمولية تامة تمنحك فرصة التعايش معها كل يوم، وأنت في تواجدك داخل كل هذه الدوائر، تنتمي لدائرةٍ أوسع وذات مدى لا يمكنك إبصار حدود نهايته، إنها دائرةُ رحمة الله، ذلك التشبيه الشائع الذي لم يخضع للتفكر أو محاول الفهم، فلم خُصصت الدائرة لوصف رحمة الله العظيم! وكيف قد يُخرَجُ منها؟
إن رحمة الله التي شمل بها عباده كما تكرر ذكرها في القرآن الكريم تتسع لتشمل عباده كلهم، بَرّهم وفاجرهم، تقيّهم ومفسدهم، إذ إن أبواب هذه الرحمة مشرّعة دائماً لمن يتوب ويستغفر ولا يعود لفعله، فلا يخرج أحد من هذه الدائرة خروجاً تاماً إلا لو اختار هو ذلك، استكباراً وعُلواً واصراراً على الباطل، أن يُخطئ ويتبجّح بخطأه ولا يرى أبواب التوبة المشرعة وإن رآها لا يعود إليها ويحوّل ذنوبه إلى هوية تمثّله، فيفرض بها نفسه على الآخرين كأنها هو، دون خجلٍ أو وعي أو نية لإصلاح تلك الذات التي أفسدها وعاث من خلالها خراباً في الأرض.
إن الله لا يُخرج أحد من رحمته، بل الإنسان هو من يُغيّر موقعه منها، وهذه فكرة محورية مهمة، فكما يختار المرء السير في نور الشمس أو ظلّها رغم وجوده في ضمن نطاق ذلك النور، كذلك يختار ظلاً يستظل به من نور الرحمة الإلهية، وشيئاً فشيئاً يعتاد بصره على ذلك الظلام، فلا يستطيع الخروج للضوء مجدداً، فيقع في تناقض عميق بين نور الرحمة وظل الأنا وجبروتها.
وهنا يُغلق المرء على نفسه باب الرحمة من الداخل، ويحبس نفسه في غرفة مغبرة مظلمة ولا يُبصر قلبه الضياء الذي يقع خارج أسوار تلك الغرفة، حتى تُمسي حياته كلها في دوران أبدي لا يُفضي إلى شيء.
إن رحمة الله لا تُقصي أحد منها، ولا تُبعد أحداً عنها، بل هي التي تُدني وتُقرّب وتمنح الإنسان سُبلاً مشرعة للدخول في رحابها، لكن المرء هو من يختار أن يقف على ناصيتها، مكتفياً بالمشاهدة، رافضاً العبور، بل قد يعيش حياته كاملةً دون أن يُدرك أن هذه الدائرة موجودة، وهذا هو البُعد الحقيقي، أن يُحجب الوعي عن التوجّه نحو الصواب، وأن يكون محور العيش هو الذات، تحرّك صاحبها حيث شائت أهوائها وتحجبه عن مصدر البهاء الأبدي.








اضافةتعليق
التعليقات