ورد في الزيارة الجوادية للإمام الرضا (عليه السلام) مقطع جاء فيه: " السلام على من كُسِرَتْ لهُ وسادةُ والدِهِ أَميرِ المؤمنينَ حتَى خصَمَ أَهلَ الكتبِ و ثبّتَ قواعدَ الدِّينِ".
التعبير "بكُسرت له وسادة والده أمير المؤمنين" فيه إشارة لقول الإمام علي (عليه السلام): "والله لو ثُنَيتْ ليَ الوسادة لقضيتُ بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل القرآن بقرآنهم".
يبيّن الإمام علي عليه السلام في قوله سعة ما يحمله من علم سواء العلم بالقرآن والشريعة الإسلامية وأحكامها، أو العلم بالشرائع السابقة وكتبها المقدّسة، فهو باب مدينة علم رسول الله صلى الله عليه وآله، ذلك العلم الذي لو أُتيحَت للإمام الفرصة لتمكّن من خلاله أن يحتجّ على أهل الأديان بما في كتبهم المقدسة، وأن يقضي بينهم حسب ما ورد في شرائعهم.
لقد استخدم عليه السلام " لو" التي تدل في اللغة على امتناع الجواب لامتناع الشرط، يعني بذلك إنّ الذي منعه من القيام بدوره العلمي سواء في إرشاد الناس، أو في الافتاء، أو القضاء هو حرمانه من الفرصة للقيام بذلك، حرمان فُرِض عليه بعد ما غُصِبَ حقه، وأُبعِدَ عن منصبه الشرعيّ لقيادة الأمة، ثم بإقصائه وتهميشه المتعمّد عن كل دور مهم في خدمة المجتمع الإسلامي، ماعدا تلك المواقف التي كان يفزع إليه فيها من سبقه من الخلفاء طلبا لرأي أو مشورة للمشكلات التي كانوا يعجزون عن حلّها.
وبعد عشرات السنين جلس الإمام الرضا عليه السلام مجلس جدّه أمير المؤمنين، وحقق بذلك أمنيته التي قالها بأسى وألم بعد أن أقسم بالله" "والله لو ثُنَيتْ ليَ الوسادة" !.
لقد استغلّ الإمام الرضا عليه السلام الظرف الاستثنائي الذي عاشه، والحرية النسبية التي أتيحت له خلال فترة وجوده في خراسان عندما كان وليّا لعهد المأمون ليقوم بدوره العلمي في نشر علوم آبائه الطاهرين، وإحياء سنّة جدّه المصطفى صلى الله عليه وآله، ونشر منهج أهل البيت عليهم السلام في الأوساط السياسة والإجتماعية خصوصا في بلاط المأمون، وفي حضور وزرائه، وخواصّ قوّاده وحاشيته، وغيرهم من الفقهاء والقضاة!
فالذي يميّز الدور العلمي الذي قام به الإمام الرضا عليه السلام عن دور من سبقه من الأئمة كالإمام الباقر والصادق عليهما السلام؛ إنّ مجلسه لم يكن في المسجد أو في سواه من الأماكن، بل في بلاط الحاكم العباسي نفسه.
لقد استثمر الإمام الرضا عليه السلام وجوده في بلاط المأمون، واختلاطه بالقادة والوزراء والأمراء في نشر الأفكار والعقائد الصحيحة التي تتناسب مع مدرسة أهل البيت عليهم السلام، فكان عليه السلام يحدّثهم ابتداء، وأحيان أخرى يجيب على أسئلتهم، ويبين من خلال ذلك مكارم وفضائل أهل البيت، خصوصا فضائل الإمام علي عليه السلام ومقاماته الرفيعة التي طُمست وكادت أن تندثر بفعل الإعلام المعادي للأمويين والعباسيين ومن سبقهم من الخلفاء.
إضافة إلى ذلك فقد كان المأمون يجمع أهل الديانات من اليهود والنصارى والصابئة، وأصحاب الملل والاعتقادات من الهنود والروم والمجوس وغيرهم لمناظرة الإمام عليه السلام، فكان عليه السلام يحتجّ عليهم من الكتب المعتبرة عندهم، ويفنّد آرائهم ومبانيهم الفكرية حتى اعترف الجميع بأعلميته، وأذعنوا لأفكاره وآرائه، كما ورد في تعبير الزيارة: "حتَى خصَمَ أَهلَ الكتبِ و ثبّتَ قواعدَ الدِّينِ" .
وبعضهم اعتنق الإسلام على يديه المباركتين .
ومن تلك المناظرات ما دار بين الإمام، وعليّ بن الجهم الذي أثار فيها الشبهات حول عصمة الأنبياء، وعصمة رسول الله صلى الله عليه وآله؛ من خلال فهمه الخاطئ للآيات المتشابهة؛ فأثبت له الإمام عصمتهم بالعقل والنقل حتى بكى ابن الجهم وتاب من آرائه الخاطئة!
وقد جمع الشيخ الصدوق تلك المناظرات في كتابه "عيون أخبار الرضا" الذي يعتبر من أهم الكتب التي تخص حياة الإمام الرضا عليه السلام.
لقد ساعد المأمون - من حيث يعلم أو لا يعلم- في تهيئة المجلس العلمي، وكسر الوسادة للإمام الرضا عليه السلام، فنشر من خلال ذلك علوم آبائه، فأشرقت أنوارهم، وبان فضلهم في بلاط أعدائهم، وتحققت بذلك أمنية أمير المؤمنين عليه السلام على يد حفيده عالم آل محمد .








اضافةتعليق
التعليقات