بين ضربة سيفٍ غادرت غمد البغي، وهامة لم تنحن إلا لبارئها، انفتحت فجوة في جدار الزمن لم تُردم حتى اليوم، من صمت المحراب الذي احتضن دمه إلى سقف الكوفة الذي اهتز ليتم الوجود، ووجع العدالة التي سجدت سجدتها الأخيرة في فجر الحادي والعشرين من رمضان في تلك الليلة لم يكن الزمان مجرد ساعات تزحف نحو الفجر، بل كان الكون يتهيأ لشهقة مكلومة، والهواء في الكوفة ثقيلاً كأنما الرئة العالمية تضيق عن استيعاب غدر يلوح في الأفق.
في قلب ذلك السكون الرخامي سار "أبو المساكين" بخطوات واثقة، دخل المحراب؛ ذلك المكان الذي لم يكن بالنسبة لعلي (عليه السلام) مجرد زاوية للصلاة بل كان معراجاً يومياً، انحنى الجسد الذي دك خيبر أمام عظمة الخالق، وفي لحظة التلاشي التام في الذات الإلهية، انبثق من العتمة سيف مسموم، لم يكن يقطع هامة علي فحسب بل كان يحاول ذبح اليقين في قلوب البشر، حين هوى السيف لم ينطق علي بآهٍ موجعة بل أطلق رصاصة الرحمة على تعب السنين بصيحة هزت أركان الوجود: "فزتُ وربّ الكعبة" في تلك الليلة سال الدم العلوي ليرسم على تراب المحراب خارطة طريق للأحرار حتى الجمادات في الكوفة كانت لها صرختها أيضاً، سقف المسجد الذي اعتاد أن يستظل بفيء صوته وهو يخطب في الجموع بدا وكأنه يتصدع حزناً، اهتزت الجدران التي حفظت أسرار مناجاته وكأن الكوفة بأكملها ترفض أن تكون شاهدة على عصر يخلو من "صوت العدالة الإنسانية".
سقفُ الكوفة في تلك الليلة لم يكن حجراً وخشباً، بل كان غيمة سوداء أطبقت على أنفاس المدينة، معلناً بداية "اليتيم الكوني"، فمن سيحمي السقف من السقوط الآن؟
ثنائيةُ السيفِ والعدل: حين انحنى النصلُ هيبة
لم يكن السيف الذي أصاب هامة علي (عليه السلام) مجرد قطعة من حديد مسموم، بل كان رمزاً لصراع أزلي بين سيف السلطة وسيف العدالة، ففي الوقت الذي كان فيه الطغاة يغمدون سيوفهم في صدور الفقراء ليثبتوا عروشهم، كان سيف علي (عليه السلام) -ذو الفقار- غلافاً لليتامى ودرعاً للمحرومين، عجيب هو ذلك التناقض كيف ليدٍ هزت قلاع خيبر بضربة واحدة أن تكون هي ذاتها اليد الرقيقة التي تمسح على رأس يتيم لئلا يشعر ببرد الفقد.
إن السيف في كف علي لم يكن أداة للبطش، بل كان يستأصل الظلم ليمنح الحياة فرصة أخرى، وحين غدر به سيف البغي في المحراب لم يسقط مهزوماً، بل سقط السيف نفسه في امتحان التاريخ، وبقي "عدلُ علي" قانوناً كونياً لا يشيخ.
إنّ أثر رحيل علي (عليه السلام) لم يتوقف عند حدود الكوفة أو عام أربعين للهجرة، بل تحول استشهاده إلى حالة روحية تتلبس كل نفس تنشد الحرية، لقد ترك خلفه روحانية لا تفسرها الكلمات، هي تلك القشعريرة التي تصيب الزاهدين عند سماع مناجاة أمير المؤمنين، وهي ذلك المد الوجداني الذي يدفع الإنسان ليكون علوي الهوى في مروءته، فتأثير علي (عليه السلام) اليوم يتجلى في كل عين تدمع لمظلوم، وفي كل ثائر يرفض الذل، إنه التأثير الذي يجعل من ذكرى استشهاده موسماً للمراجعة الذاتية :
- هل نحن على نهجه في إنصاف الفقير؟
- هل سيوف أقلامنا ومواقفنا مسلولة بوجه الباطل أم مخبوءة في غمد المصالح؟
إن علياً لم يمت بضربة سيف، بل انبعث في كل جيل روحاً ترفض الانكسار، فيا سيدي يا أبا الحسن إن المحراب الذي استقبل دماءك لم يكن نهاية الحكاية، بل كان المحبرة التي كتبت بها أسمى آيات التضحية، رحلت بجسدك لكنك تركت لنا في كل زاوية من زوايا الكوفة وفي كل قلب ينبض بالحق وصية لا تموت: أن يكون المرءُ "خصماً للظالم وعوناً للمظلوم".
فسلام عليك يوم وُلدت في جوف الكعبة، ويوم استُشهدت في جوف المحراب، وستبقى ذكراك هي الفجر الذي يطرد ليل اليأس، والبوصلة التي لا تخطئ الطريق نحو الله.








اضافةتعليق
التعليقات