دوماً ما تمر علينا تلك اللحظات التي نقرر فيها أن نخرج ما في داخلنا بصدق، لكن هناك وحشاً غير مرئي يقف بالمرصاد لكل فكرة وليدة، إنها ليست مجرد عادة ذهنية سيئة، بل هي معول يهدم ثقتك بنفسك ويجعل من رحلتك الإبداعية جحيماً من عدم الرضا، إنها "المقارنة" ذلك اللص المحترف الذي لا يسرق الذهب من الخزائن، بل يسرق الضوء من عينيك، والدهشة من فكرتك، والرضا من قلبك، حيث تبدأ الحكاية حين تقرر أن ترسم لوحة، أو تكتب نصاً، أو تبني مشروعاً يسكن خيالك، وفي تلك اللحظة أنت خالق لعالمك الخاص، تمتلك مفاتيح الجمال والابتكار لكن وبمجرد أن ترفع عينيك لتنظر إلى "لوحة فلان" أو "نجاح فلان" تسقط في الفخ وتبدأ الأسئلة المسمومة بالنمو كالفطر في زوايا عقلك:
"لماذا يبدو نصه أكثر لمعاناً، وكيف وصلوا إلى القمة بهذه السرعة بينما لا أزال أتعثر في المقدمة؟"
فخ الشاشات: الخوارزمية التي تقتات على قلقك
ما غاب عن أذهاننا هو أننا نعيش في عصر "المقارنة القسرية"، فلقد صُممت خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي لتكون مصنعاً لا يهدأ لعرض أفضل اللحظات للآخرين أمام أسوأ لحظاتنا النفسية، حيث تضع مسودتك الأولى التي لا تزال تعاني من آثار الحبر والتردد، في مواجهة مباشرة مع النسخة النهائية المنقحة والمبهرة لشخص آخر في هذا العالم الرقمي ويتحول إبداعك من رسالة حب تقدمها للعالم، إلى سباق خاسر ضد أشباح لا تراها فتتحول واحتك من مكان للحرية إلى زنزانة ضيقة جدرانها إنجازات الآخرين التي تومض على شاشتك مما ينتج عنها انتحار الهوية في حضرة التقليد.
فالمقارنة ليست مجرد إحساس بالنقص بل هي عملية اغتيال صامتة لهويتك حين تقارن فصلك الأول بالفصل العشرين من حياة شخص آخر، فإنك تظلم بذرتك لأنها لم تصبح شجرة في يوم وليلة، فالإبداع يحتاج إلى "العزلة الذهنية" لكي ينضج، والمقارنة هي ضجيج يطرد الإلهام ويجبرك على تلوين عالمك بألوان لم تخترها، فقط لأنها نالت استحسان الجمهور عند غيرك، فتجد نفسك في النهاية تمتلك نسخة باهتة من شخص آخر، بدلاً من نسخة متوهجة منك، وإنك حين تفعل ذلك تطفئ شمسك بيدك وتشتكي من الظلام، وفي الحقيقة إن الغرق في بئر عدم الرضا يبدأ عندما يصبح مقياس نجاحك "خارجياً"، وتصبح فرحة الإنجاز مرهونة بأن تكون "أفضل من" وليس "أفضل مما كنت".
وهذا البئر لا قاع له لأن هناك دائماً من هو أسرع، أجمل، أو أكثر حظاً، ثم يتحول الإبداع الذي كان يفترض أن يكون مكمن راحتك إلى مصدر قلق دائم، وتصبح الفكرة الوليدة ثقيلة لأنك تخشى ألا تضاهي معايير "السوق" أو "التريند" المتسارع، فيموت الجمال في مهد الخوف ويكون السؤال هنا: كيف تسترد ضوءك المسروق؟
ببساطة لكي تقتل هذا الوحش، عليك أن تؤمن بأن مسارك ليس مضماراً للسباق، بل هو رحلة استكشاف، ويكفي أن :
- تحتفي بفرادتك: تذكر أن بصمتك هي الشيء الوحيد الذي لا يمكن لأحد في هذا الكوكب محاكاته، حتى لو امتلك مهارات تفوقك.
- تغلق النوافذ: لا بأس بأن تنعزل عن "ضجيج الإنجازات" الرقمية لفترة، حتى تستعيد صوتك الداخلي بعيداً عن صدى الإعجابات الزائفة.
- تقارن نفسك بأمسك: المنافس الوحيد الذي يستحق عناء المعركة هو أنت في المرآة.
في النهاية إن الإبداع هو أن تجرؤ على أن تكون "أنت" بكل عيوبك، وبكل نقصك، وبكل صدقك، ولا تسمح لسارق الضوء أن يطفئ شعلتك، فالعالم لا يحتاج لنسخة أخرى من "الأفضل"، بل يحتاج لنسخة حقيقية منك، وتذكر أن الإبداع ليس مضماراً لسباق الخيول، بل هو صلاة خاشعة في محراب الذات، فحين تلتفت يميناً ويساراً لتراقب خُطى الآخرين، فإنك لا تفقد سرعتك فحسب، بل تفقد "طريقك" الخاص لذلك ارفع يدك عن معول الهدم، واحتضن فكرتك الوليدة بكل ما فيها من تعثر وغموض، كُن أنت، بصدقك، ودهشتك، وانكساراتك التي صنعت منك هذا المبدع، ففي اللحظة التي تتوقف فيها عن المقارنة، تبدأ فعلياً في التجلي، لذلك اخرج من بئر عدم الرضا، وانظر إلى السماء دوما هناك متسع لكل النجوم كي تضيء، دون أن تطفئ نجمةٌ نور أختها.








اضافةتعليق
التعليقات