هل أنت حقًّا استثنائي، أم أنك عالق في وهمٍ فلسفي عمره آلاف السنين؟ أو هل وقفت يومًا في حوارٍ يتحول إلى صراع بين أعمى وأصم؟
هي أسئلة تتبادر إلى أنفسنا في مواقف نقفها، حيث تختفي الحجج المنطقية ليحلّ محلها ادّعاء “الفطرة” كبطاقة حقٍّ ميراثية، وكأن الطرف الآخر يمتلك صكًّا إلهيًّا بالحقيقة المطلقة. في تلك اللحظة يذوب المنطق، ليس لضعف في البرهان، بل لأن الخصم يتحصّن خلف “يقينٍ استعلائي” يجعله يراك أدنى منه رتبةً في الوجود. هذا هو الشبح الذي يطاردنا اليوم: “الاستثنائية”، ذلك الكائن الفلسفي العتيق الذي وُلد من رحم أرسطو، حين قسّم البشر ببرودٍ غريب إلى “يونانيين معقولين” خُلقوا للسيادة، و“برابرة عبيد” خُلقوا ليكونوا مجرّد أدوات حيّة.
الأصل الأرسطي: العقل حين يصبح قناعًا للاستبداد
تكمن الجريمة الفلسفية الكبرى في قلب الفكر الأرسطي، وتحديدًا في شرعنته للعبودية بناءً على “طبيعة عقلانية” مُدّعاة. زعم أرسطو أن اليوناني يمتلك عقلًا مُدبّرًا، بينما البربري يمتلك جسدًا قويًّا فقط، لذا فإن استعباد الأول للثاني هو “فعل خير” يحقق توازن الطبيعة. والمفارقة السوداء هنا أن هذه الاستثنائية كانت هشّة إلى درجةٍ مضحكة؛ فاليوناني المهزوم في الحرب لا يُستعبد لأن كرامته الاستثنائية تمنع ذلك، بينما يُستعبد البربري لمجرّد كونه بربريًّا. وهكذا غادرت الفكرة مهدها في أثينا، لترتدي ثياب الإمبراطوريات، وتتحوّل من “فلسفة مكان” إلى “عقيدة إقصاء” عالمية، بنت أوّل وأخطر جدار بين “نحن” المتفوّقين و“هم” الأدنياء.
الثورة المضادّة: حين هدمت القيم جدار “الفطرة”
بينما كان الإسكندر المقدوني يطوف الأرض بسيفه ليفرض “استثنائية اليونان” كنموذجٍ وحيد للحضارة، ظهرت رسالة سماوية قلبت الطاولة على هذا الغرور المعرفي، فكان القرآن يحمل ثورة وجودية:
{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.
هذه الآية لم تكن مجرّد نصيحة أخلاقية، بل كانت “مِعوَلًا” يهدم الجدار الأرسطي من أساسه؛ فلا فضل لدمٍ على دم، ولا لعرقٍ على عرق. وعزّزت خطبة الوداع هذا المفهوم بلغة صريحة قطعت الطريق على كل متسلّقٍ بظهيرٍ قومي أو قبلي: “لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى”.
ثم جاء أمير المؤمنين علي (عليه السلام) ليصكّ أعظم تعريفٍ للمساواة العابرة للحدود: “الناس صنفان: إمّا أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخَلق”.
تأمّل معي، عزيزي القارئ، عمق هذه الكلمة؛ فهي لم تحصر “النظير” في المعتقد، بل جعلت “الخَلق” (الوجود البشري بذاته) كافيًا لمنح الآخر حصانةً ومساواةً كاملة. ويُكمل الإمام الصادق (عليه السلام) هذه الفلسفة برؤيةٍ خدمية مذهلة: “إن الناس كلهم أولاد الله، فأحبّهم إليه أنفعهم لعياله”.
وهنا سقط صنم “مَن أنا” الاستعلائية، ليحلّ محلّه سؤال “ماذا قدّمت؟” كمعيارٍ وحيد للتميّز. ولكن السؤال الأهم هنا في يومنا هذا: هل انتهى الوهم؟
في الحقيقة، الوحش لم يمت، بل أجرى “عمليات تجميل” ليتناسب مع عصرنا. “عبء الرجل الأبيض” سابقًا، الذي برّر الاستعمار قديمًا، تحوّل اليوم إلى “استثناء حضاري” يبرّر تدمير شعوب بأكملها تحت شعار “نشر الديمقراطية”.
والأخطر أن هذا الوباء تسلّل إلى “الأنا” الفردية، فأصبحنا نمارس استثنائيتنا الصغرى كلّ يوم: “عائلتي” التي هي فوق النقد، “طائفتي” التي تملك مفاتيح الجنّة وحدها، “رأيي” الذي هو الحقيقة المطلقة، وحتى “ماركة ملابسي” أو “شكلي” الذي يجعلني أنظر لمن خلفي بازدراء. لقد تحوّلنا إلى “جزرٍ استعلائية” منعزلة، يرفض كلّ منّا أن يكون “عاديًّا”، ولا أعرف حقيقةً لماذا نتمسّك بهذا الوهم القاتل؟
ربما سيكولوجيًّا، نحن نهرب إلى الاستثنائية لأننا نخشى “العادية”. الاستثنائية هي مسكّن لآلام الدونية؛ فنحن لا نُضخّم “القبيلة” أو “الذات” إلا عندما نشعر بضآلتنا في العمق. وسياسيًّا، هي أرخص وسيلة لشدّ عصب الجماعة عبر اختراع “عدو” أقلّ قيمةً منّا. واقتصاديًّا، هي المحرّك لآلة الاستهلاك التي تبيعنا التميّز الزائف مقابل أرقامٍ في حساباتنا، متناسين أن التحدّي الحقيقي اليوم ليس في إثبات أننا مختلفون، بل في الشجاعة على الاعتراف بأننا متساوون.
فالاستثنائية ليست وسام شرف نضعه على صدورنا، بل هي سجن نبنيه حول أنفسنا؛ جدرانه من الغرور، وأقفاله من الجهل بالآخر. فما الفرق الجوهري بين “اليوناني المعقول” عند أرسطو، وبين “المتحضّر” الذي يزدري “المتخلّف” في خطابنا المعاصر؟ أو بين “ابن العائلة” و“الدخيل” في أزقّتنا؟ إنها اللعبة ذاتها، والقواعد ذاتها، لكن ببطاقاتٍ ملوّنة ومزيّفة.
لذا، لنكن أكثر صراحةً مع أنفسنا: في أي موقفٍ اليوم استخدمتُ ديني، أو مذهبي، أو حتى منصبي الاجتماعي، لأبرّر لنفسي تجاهل معاناة إنسانٍ آخر، أو لأمنح نفسي الحقّ في صمّ أذني عن حجّته؟
حين ندرك أن “الاستثنائية” وهمٌ يعيقنا عن رؤية الجمال في “الآخر”، سنبدأ حينها فقط بهدم القضبان. فالاستثنائية الحقّة لا تكمن في الانتماء لقطيعٍ يرى نفسه الأفضل، بل في أن تكون إنسانًا “استثنائيًّا” في قدرتك على العطاء، وفي شجاعتك على القول: أنا إنسان، ولا شيء إنسانيٌّ غريبٌ عني. فالتاريخ لا يعيد نفسه، لكن الغرور البشري هو الذي يكرّر مآسيه، والخيار الآن بيدنا: إمّا أن نكون جزرًا تغرق في كبريائها، أو نكون معًا قارب نجاة يبحر نحو إنسانيةٍ واحدة.








اضافةتعليق
التعليقات