إنني لا أفهم من كلمة "إمام" معنى القائد السياسي، بل ولا حتى القائد الاجتماعي في مجتمع ما، وإنما "الإمام" يعني: ذلك النموذج الأعلى الذي كانت الإنسانية على طول تاريخها تشعر بالحاجة إليه؛ حيث كانت تبحث بدافع الحاجة الملحة عن المثل والنماذج العليا للفضائل الإنسانية المفقودة في هذا العالم فلا تراها، وتلح الحاجة فتنطلق الإنسانية إلى صياغتها في عالم الذهن، وتتخذ منها قدوة وأسوة، وتحبها وتقدسها، وتتعامل معها كنماذج مثالية تسمو على التراب وترتفع عن مستوى الإنسان في الواقع.
فكما كان هؤلاء الأبطال العظام في تاريخ الأساطير قدوات يقتدى بها، ويحتذى حذوها، وتقلد في فعالها، وتتخذ رمزاً ومعلماً في الحياة والعاطفة والشعور، والفكر والفضائل؛ فكذلك علي.. لم يكن قائداً سياسياً واجتماعياً مؤطراً منحصراً باعتباره إماماً في مجتمع المدينة أو المجتمع العربي أو المجتمع الإسلامي يومذاك، بل كان "إماماً" يخاطب التاريخ ويعلم الإنسان.
أولستم تعيشون الحاجة للمثل والنماذج العليا للفضائل الكاملة بلا نقص؟ أولستم تبحثون عن الفضائل المطلقة؟ مما حدا بكم إلى اختلاق نماذج في أذهانكم لا يحدها حد، ثم اتخذتموهم قدوات للحياة المثالية التي تطمحون إليها؛ لقد جُمعت جميع تلك النماذج والمثل والفضائل وجُسدت لكم في فرد إنساني محقق له وجوده العيني الخارجي.
أنا علي الإنسان.. تجسيد لكل طموحاتكم وتطلعاتكم، وتصوير عملي للمثل الإنسانية العليا. أنا "الكتاب الناطق"؛ هذا هو معنى قول الإمام: "أنا القرآن الناطق"، وليس معناه "أنا قائدكم" فحسب. وما دمتم كذلك فالمفروض أن لا يُغلب القائد ولا يُهزم، لكن القضية شيء آخر غير القيادة؛ أنا "إمام".. نموذج مثالي أعلى، والنموذج لا يزل، ولا يشط، ولا يضعف في حياته أبداً، لا يعتري فضائله ولا عواطفه ولا أفكاره وأعماله أبسط صور النقص والتلوث.. حياته صافية.
إنه إمام، والإمام يعني القدوة المثالية في جميع أبعاد الفضائل الرفيعة لدى الإنسان. وعلى الإنسان أن يصمم حياته على أساس "المدينة الفاضلة" و"الإنسان السامي ذي الفضائل المطلقة" التي يستحيل اجتماعها في فرد واحد، ولكنها تحققت الآن في "الإمام"، في طريق اتباع هذا القدوة الطموح. القدوات السامية، القدوات المثالية، القدوات المطلقة؛ لا تتحقق في العالم بيد أنها تحققت في علي.
علي الإمام:
وبناءً على ما مر، لا يستطيع علي -باعتباره نموذج العدالة المثالي- أن يرضى بظلم من أجل المصلحة؛ لأن المصلحة تلوث الحقيقة. مصلحة علي في أن يتحمل معاوية ويساومه اليوم لينتصر عليه فيما بعد، وتحمل معاوية جائز للقائد السياسي، ولكنه لا يجوز -مهما كلف الأمر- لمن يريد أن يكون مثال العدالة؛ العدالة التي لا ينتابها أي ضعف وأي هزيمة، ولا يشوبها ذرة ظلم، ولا تتحمل الانحراف.
علي باعتباره "القدوة" و"النموذج" لإنسان المستقبل يريد أن يثبت عملياً للعالم وللمستقبل:
أننا حينما نؤمن بقضية عادلة ونعتقد أنها الحق، وحينما نؤمن بفضيلة ما ونعتقد بأنها فضيلة، فالمفروض أن لا نرضخ لأي ضعف أو خيانة، ولا نصبر أبداً على أي فساد مراعاة للمصلحة. كل المصالح فداء للحق الذي نؤمن به مهما كلف الأمر، حتى لو كلفني مصير "بروميثيوس"، وحتى لو أدى بي إلى المصير الذي كان ينتظرني من تحمل ربع قرن كامل من العذاب، وحتى لو كلفني الحرمان من المستقبل.. مستقبلي ومستقبل أبنائي وذريتي؛ يجب أن أرفض الضعف والنقص مهما كان ضئيلاً.
لماذا؟ لأني -أنا علي- نموذج النماذج و"رب النوع" لجميع المثل والفضائل الإنسانية التي كانت حلماً يراود الإنسان عبر التاريخ، فيحاول الوصول إليها واكتسابها وتقليدها وتقديسها، بيد أنها لم يكن لها وجود على وجه الأرض. هذه النماذج الأسطورية الرفيعة يجب أن لا يشوبها ضعف، ولا تلوثها المصالح والابتزاز والانتهازية من أجل النجاح وتحقيق النصر.
فعليٌ إذن نموذج وليس قائداً فحسب؛ دليل، مرشد، معلم على الطريق، إمام مبين. والإمام المبين لا يكون قائداً لمجتمع خاص محصور بالحدود الزمانية والمكانية، ليس قائداً لمجتمع يريد توجيهه وجهة معينة؛ فالمفروض أن يحقق أهدافه بدون تلكؤ ويمضي قدماً بدون هزيمة ولا انكسار حتى لو اقتضى الأمر المساومة.
إنه نموذج رفيع مطلق، والنموذج المثالي لا يمكن أن يتحمل هذا الضعف؛ لهذا نرى علياً بطل "البيان" المثالي، نموذجاً في الكلام، في جمال الكلام، في صدق الكلام وطهارته ونزاهته. هو نموذج أعلى في الشهامة والشجاعة والإقدام في الحروب، نموذج أعلى في طهارة الروح بمستوى الخيال الفرضي الذي كان يراود ذهن الإنسان على طول التاريخ. هو النموذج الأعلى للمحبة والرقة والرأفة وشفافية الروح.








اضافةتعليق
التعليقات