اتَّسمت وصايا الآباء إلى أبنائهم في هذا العصر بجملةٍ من السمات، برغم أنها قيلت عفو الخاطر ودون تصنُّع. وأولى هذه السمات: العاطفة الصادقة المتدفقة، والخيال المجنَّح، والموسيقى الناجمة عن السجع خاصة، وعن توازن المقاطع وترادف الألفاظ، واستعمال صيغ خاصة، مع شيوع المحسنات البديعية – دون تكلُّف – ولا سيما المطابقة، والاستعارة، والجناس، والمبالغة، والتشبيه. وهذه المحسنات يمكن أن يضمها جنسٌ أدبيٌّ قائم بذاته، هو جنس التخييل.
ولكل عملٍ أدبيٍّ شكلٌ ومضمون؛ فالشكل هو الهيكل الذي تقوم عليه الوصية، وهو عادة نثري أو شعري، أو يجمع بين النثر والشعر معًا. أمّا المضمون الذي تحتضنه الوصية، فيضم جملة المعاني التي تزخر بها، وما ينساب خلالها من عواطف دافقة وخيالٍ مجنَّح يؤثِّر في المتلقي أعمق التأثير.
وقد قلنا إن الوصايا الجاهلية قيلت عفو الخاطر، وكثيرًا ما كان يقولها إنسانٌ يحتضر، فهي بلا شك بعيدة عن التكلُّف والتزويق اللفظي. لكن هذه الوصايا، برغم ذلك، تميَّزت بمجموعة من الخصائص الفنية الجديرة بالوقوف عندها، وهو ما سنتناوله في فقراتٍ مستقلة.
الخيال
الخيال، في أبسط تعريفاته، هو الملكة التي تخلق الصور وتبثُّها. ووصايا الجاهليين غنيَّة بالخيال الخِصب المبتكر للصور الفنية، التي استمدَّها الموصي من بيئته. فقد استقرَّت في ذهنه إحساساتٌ ظلت كامنةً عبر الزمن في مخيلته، فلما آن وقت الإيصاء، ألَّف منها الصور التي أراد.
وهكذا جسَّد الموصي خياله هذا بألوانٍ من الأساليب البيانية، كالتشبيه، والاستعارة، والجناس، والمبالغة، والمطابقة، وغيرها، مما أضفى على الوصايا ظلالًا بالغة الروعة.
ومن روائع الوصايا التي تفيض بالخيال المجنَّح، والتشبيهات البليغة، والاستعارات الأصيلة، قول تُبَّع بن رفيدة، أحد ملوك التبابعة في اليمن، موصيًا ابنه ياسر ينعم:
«يا بني، الملك مصباح، والملك واقد ذلك المصباح؛ فإن حفظه من ريحٍ تطفئه، أو ذُبالةٍ لا تُساعفه، أو من وقودٍ يُقطع به عنه، أو من مستوقدٍ يخونه، دام له ذلك المصباح، وسلم له ضياؤه ونوره ما شاء أن يضيء له. وإن هو غفل عنه بعد أن أوقده، ولم يقم به حقَّ قيامه، أطفأته الريح؛ فإن سلم من الريح، لم يسلم عند احتراق الذبالة فيه، ولا يُؤمَن عند احتراق الذبالة في مستوقد المصباح أن يطير المستوقد قلقًا؛ فلا النور ساطع، ولا المستوقد صحيح، ولا الذبالة سالمة، ولا الواقد محمود».
لقد طفحت هذه الوصية الجاهلية بألوانٍ من التشبيه والاستعارة، وبالتوازن بين المقاطع، مما جعلها بخيالها الساحر عميقةَ التأثير في المتلقي. فقد نجح الموصي في تجسيم صورة الملك نجاحًا بالغ الروعة، كما نجح في تسلسل الأفكار وتنظيمها.
ومن الوصايا المتميزة بالتشبيهات الجميلة وصية حمير بن سبأ لأولاده، إذ قال:
«ولا تعصوا الهميسع، فإنه خليفتي بعد الله عليكم... وإنه لسيفكم، وأنتم حدُّ السيف، وإنه لرمحكم، وإنكم سنان ذلك الرمح. وما السيف لولا حدُّه؟ وما الحدُّ لولا السيف؟ وما السنان لولا الرمح؟ وما الرمح لولا سنانه؟ أنتم بالهميسع وله، والهميسع بكم ولكم».
فهذه التشبيهات الجميلة المؤثرة أضفت ألوانًا من الإبداع وحلاوة الأداء على الوصية.
العاطفة
صدق العاطفة وعمقها وتدفُّقها أساسٌ في خلق العمل الأدبي، ووصايا الموصين في الغالب تنبع من عاطفة صادقة مؤثرة، تحاول نقل تجارب الحياة الطويلة إلى من وُجِّهت إليهم الوصية. وبقدر ما تكون العاطفة صادقة، تكون أبلغ أثرًا وأخلد ذكرًا.
ومن الوصايا الصادقة العاطفة، العميقة الشعور بالإنسانية، وصية وائل بن الغوث، إذ قال:
«اعلم أن كل مسترعٍ سائمةً يعيش من درِّها، ويستشعر من دفئها، يجب عليه حياطتها من التلف، وحفظها من السبع، وردَّ ضالتها، وإلحاق كسيرها، وتحصين حجرتها، وارتياد كل المراتع لها. فمن فعل ذلك، وإلا فحقيقٌ أن يُسترجع منه ما استُرعي، ويُسترد منه ما استُودع، ويُحيط ما صنعه بآخرة، ويُعزل عن الرعاية أحوج ما كان إلى البلغة والكفاية؛ فاحذر أن تكون ذاك».
فهذه الوصية المؤثرة تجمع العاطفة الصادقة والشعور الإنساني النبيل تجاه الرعية، إلى جانب ما فيها من تشبيهات واستعارات جديرة بالتأمل.
ويتضح صدق العاطفة ونبل التجربة وعمق الشعور الإنساني في وصية عبد شمس بن وائل، إذ قال لبنيه:
«اعلموا أن الملك بيتٌ أساسه العدل، وقواعده التدبير، وحيطانه التيقظ، وأركانه الحزم، وتلاحمه الشدة، وعماده الوزراء الكفاة، وعوارضه القادة، ومواعظه الأتباع...».
تعكس هذه الوصية عمق الشعور بالإنسانية، وهي تمور بعاطفة صادقة نابعة من تجربة عميقة في سياسة الملك.
الموسيقى الداخلية للألفاظ والتعابير
من خصائص وصايا هذا العصر الموسيقى الداخلية التي تميزت بها تعابيرها، ويتجلى ذلك في استخدام السجع والتنغيم الصوتي، كما في وصية زهير بن أيمن، وقول علْهان الملك:
«إني أوصيك يا بني بالكف عن المعصية، والإحسان إلى الرعية؛ فإذا أنعمت فأنعِم، وإذا كويت داءً فاحسم، وإذا غضبت فاكظم، وإذا أساء إليك من هو دونك فاحلم، وإذا سُئلت مما في يديك فأكرم».
ويبدو التنغيم الصوتي في هذه الوصية واضحًا في السجعات المتناغمة التي تضفي جمالًا وبلاغة، فضلًا عن تساوي الفواصل في الوزن، وهو ما يُعرف بالتوازن.
ومن أجمل نماذج السجع غير المتكلف والتوازن الرقيق وصية عمرو بن كلثوم التغلبي، إذ يقول:
«صلوا أرحامكم تعمر دياركم، وأكرموا جاركم يحسن ثناؤكم...».
وكذلك وصية الحارث بن كعب:
«وعليكم بهذا المال، فاطلبوه أجمل الطلب، ثم اصرفوه في أجمل مذهب، فصلوا به الأرحام، واصطنعوا به الأقوام».
خلاصة
هذه خلاصة مركَّزة في الخصائص الفنية لوصايا الآباء إلى الأبناء في العصر الجاهلي؛ فهي تتميز بكثرة الحكم والأمثال، وقصر الجمل، وإيثار السجع وشيوعه، والتوازن بين الفواصل، وشيوع ألوانٍ من المحسنات البديعية، وحرارة العاطفة، والصدق الفني، والتنظيم الموسيقي، وشيوع التخييل في بعضها. وقد اكتفينا بضرب أمثلة قليلة للتدليل على ما ذهبنا إليه.
أغراض الوصايا
تنوَّعت أغراض الوصايا عند الجاهليين؛ فمنها ما يرسم سياسة الملك لولي العهد، ومنها ما يهدف إلى رسم سياسة القبيلة، ومنها ما هو تربوي أخلاقي. وقد شاعت في هذه الوصايا قيم أخلاقية رفيعة، مثل الدعوة إلى التقوى، وصلة الرحم، والكرم، والوفاء، والشجاعة، والعفو عند المقدرة، والنهي عن الغدر والبغي، وغير ذلك من مكارم الأخلاق.
إن وصايا الجاهليين التربوية كانت صورةً للقيم المثلى التي تحلَّى بها كرام الجاهليين، وحرصوا على غرسها في أبنائهم. ولا شك أن كثيرًا من هذه الوصايا لم يصل إلينا، إما لعدم تدوينها، أو لضياع ما دُوِّن منها ضمن تراثنا العربي المفقود.
وقد بقي غرضٌ واحد لم نتحدث عنه، وهو وصايا الآباء إلى بناتهم عند تزويجهن، وهو غرضٌ وصلت إلينا منه نصوص نادرة، وسنؤثر الحديث عنه عند دراسة وصايا الآباء في عصر صدر الإسلام والعصر الأموي، إن شاء الله.








اضافةتعليق
التعليقات