• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

الخصائص الفنية لوصايا الآباء إلى الأبناء في العصر الجاهلي

‏سارة المياحي / الثلاثاء 20 كانون الثاني 2026 / تربية / 1006
شارك الموضوع :

ولكل عملٍ أدبيٍّ شكلٌ ومضمون؛ فالشكل هو الهيكل الذي تقوم عليه الوصية، وهو عادة نثري أو شعري

اتَّسمت وصايا الآباء إلى أبنائهم في هذا العصر بجملةٍ من السمات، برغم أنها قيلت عفو الخاطر ودون تصنُّع. وأولى هذه السمات: العاطفة الصادقة المتدفقة، والخيال المجنَّح، والموسيقى الناجمة عن السجع خاصة، وعن توازن المقاطع وترادف الألفاظ، واستعمال صيغ خاصة، مع شيوع المحسنات البديعية – دون تكلُّف – ولا سيما المطابقة، والاستعارة، والجناس، والمبالغة، والتشبيه. وهذه المحسنات يمكن أن يضمها جنسٌ أدبيٌّ قائم بذاته، هو جنس التخييل.

ولكل عملٍ أدبيٍّ شكلٌ ومضمون؛ فالشكل هو الهيكل الذي تقوم عليه الوصية، وهو عادة نثري أو شعري، أو يجمع بين النثر والشعر معًا. أمّا المضمون الذي تحتضنه الوصية، فيضم جملة المعاني التي تزخر بها، وما ينساب خلالها من عواطف دافقة وخيالٍ مجنَّح يؤثِّر في المتلقي أعمق التأثير.

وقد قلنا إن الوصايا الجاهلية قيلت عفو الخاطر، وكثيرًا ما كان يقولها إنسانٌ يحتضر، فهي بلا شك بعيدة عن التكلُّف والتزويق اللفظي. لكن هذه الوصايا، برغم ذلك، تميَّزت بمجموعة من الخصائص الفنية الجديرة بالوقوف عندها، وهو ما سنتناوله في فقراتٍ مستقلة.

الخيال

الخيال، في أبسط تعريفاته، هو الملكة التي تخلق الصور وتبثُّها. ووصايا الجاهليين غنيَّة بالخيال الخِصب المبتكر للصور الفنية، التي استمدَّها الموصي من بيئته. فقد استقرَّت في ذهنه إحساساتٌ ظلت كامنةً عبر الزمن في مخيلته، فلما آن وقت الإيصاء، ألَّف منها الصور التي أراد.

وهكذا جسَّد الموصي خياله هذا بألوانٍ من الأساليب البيانية، كالتشبيه، والاستعارة، والجناس، والمبالغة، والمطابقة، وغيرها، مما أضفى على الوصايا ظلالًا بالغة الروعة.

ومن روائع الوصايا التي تفيض بالخيال المجنَّح، والتشبيهات البليغة، والاستعارات الأصيلة، قول تُبَّع بن رفيدة، أحد ملوك التبابعة في اليمن، موصيًا ابنه ياسر ينعم:

«يا بني، الملك مصباح، والملك واقد ذلك المصباح؛ فإن حفظه من ريحٍ تطفئه، أو ذُبالةٍ لا تُساعفه، أو من وقودٍ يُقطع به عنه، أو من مستوقدٍ يخونه، دام له ذلك المصباح، وسلم له ضياؤه ونوره ما شاء أن يضيء له. وإن هو غفل عنه بعد أن أوقده، ولم يقم به حقَّ قيامه، أطفأته الريح؛ فإن سلم من الريح، لم يسلم عند احتراق الذبالة فيه، ولا يُؤمَن عند احتراق الذبالة في مستوقد المصباح أن يطير المستوقد قلقًا؛ فلا النور ساطع، ولا المستوقد صحيح، ولا الذبالة سالمة، ولا الواقد محمود».

لقد طفحت هذه الوصية الجاهلية بألوانٍ من التشبيه والاستعارة، وبالتوازن بين المقاطع، مما جعلها بخيالها الساحر عميقةَ التأثير في المتلقي. فقد نجح الموصي في تجسيم صورة الملك نجاحًا بالغ الروعة، كما نجح في تسلسل الأفكار وتنظيمها.

ومن الوصايا المتميزة بالتشبيهات الجميلة وصية حمير بن سبأ لأولاده، إذ قال:

«ولا تعصوا الهميسع، فإنه خليفتي بعد الله عليكم... وإنه لسيفكم، وأنتم حدُّ السيف، وإنه لرمحكم، وإنكم سنان ذلك الرمح. وما السيف لولا حدُّه؟ وما الحدُّ لولا السيف؟ وما السنان لولا الرمح؟ وما الرمح لولا سنانه؟ أنتم بالهميسع وله، والهميسع بكم ولكم».

فهذه التشبيهات الجميلة المؤثرة أضفت ألوانًا من الإبداع وحلاوة الأداء على الوصية.

العاطفة

صدق العاطفة وعمقها وتدفُّقها أساسٌ في خلق العمل الأدبي، ووصايا الموصين في الغالب تنبع من عاطفة صادقة مؤثرة، تحاول نقل تجارب الحياة الطويلة إلى من وُجِّهت إليهم الوصية. وبقدر ما تكون العاطفة صادقة، تكون أبلغ أثرًا وأخلد ذكرًا.

ومن الوصايا الصادقة العاطفة، العميقة الشعور بالإنسانية، وصية وائل بن الغوث، إذ قال:

«اعلم أن كل مسترعٍ سائمةً يعيش من درِّها، ويستشعر من دفئها، يجب عليه حياطتها من التلف، وحفظها من السبع، وردَّ ضالتها، وإلحاق كسيرها، وتحصين حجرتها، وارتياد كل المراتع لها. فمن فعل ذلك، وإلا فحقيقٌ أن يُسترجع منه ما استُرعي، ويُسترد منه ما استُودع، ويُحيط ما صنعه بآخرة، ويُعزل عن الرعاية أحوج ما كان إلى البلغة والكفاية؛ فاحذر أن تكون ذاك».

فهذه الوصية المؤثرة تجمع العاطفة الصادقة والشعور الإنساني النبيل تجاه الرعية، إلى جانب ما فيها من تشبيهات واستعارات جديرة بالتأمل.

ويتضح صدق العاطفة ونبل التجربة وعمق الشعور الإنساني في وصية عبد شمس بن وائل، إذ قال لبنيه:

«اعلموا أن الملك بيتٌ أساسه العدل، وقواعده التدبير، وحيطانه التيقظ، وأركانه الحزم، وتلاحمه الشدة، وعماده الوزراء الكفاة، وعوارضه القادة، ومواعظه الأتباع...».

تعكس هذه الوصية عمق الشعور بالإنسانية، وهي تمور بعاطفة صادقة نابعة من تجربة عميقة في سياسة الملك.

الموسيقى الداخلية للألفاظ والتعابير

من خصائص وصايا هذا العصر الموسيقى الداخلية التي تميزت بها تعابيرها، ويتجلى ذلك في استخدام السجع والتنغيم الصوتي، كما في وصية زهير بن أيمن، وقول علْهان الملك:

«إني أوصيك يا بني بالكف عن المعصية، والإحسان إلى الرعية؛ فإذا أنعمت فأنعِم، وإذا كويت داءً فاحسم، وإذا غضبت فاكظم، وإذا أساء إليك من هو دونك فاحلم، وإذا سُئلت مما في يديك فأكرم».

ويبدو التنغيم الصوتي في هذه الوصية واضحًا في السجعات المتناغمة التي تضفي جمالًا وبلاغة، فضلًا عن تساوي الفواصل في الوزن، وهو ما يُعرف بالتوازن.

ومن أجمل نماذج السجع غير المتكلف والتوازن الرقيق وصية عمرو بن كلثوم التغلبي، إذ يقول:

«صلوا أرحامكم تعمر دياركم، وأكرموا جاركم يحسن ثناؤكم...».

وكذلك وصية الحارث بن كعب:

«وعليكم بهذا المال، فاطلبوه أجمل الطلب، ثم اصرفوه في أجمل مذهب، فصلوا به الأرحام، واصطنعوا به الأقوام».

خلاصة

هذه خلاصة مركَّزة في الخصائص الفنية لوصايا الآباء إلى الأبناء في العصر الجاهلي؛ فهي تتميز بكثرة الحكم والأمثال، وقصر الجمل، وإيثار السجع وشيوعه، والتوازن بين الفواصل، وشيوع ألوانٍ من المحسنات البديعية، وحرارة العاطفة، والصدق الفني، والتنظيم الموسيقي، وشيوع التخييل في بعضها. وقد اكتفينا بضرب أمثلة قليلة للتدليل على ما ذهبنا إليه.

أغراض الوصايا

تنوَّعت أغراض الوصايا عند الجاهليين؛ فمنها ما يرسم سياسة الملك لولي العهد، ومنها ما يهدف إلى رسم سياسة القبيلة، ومنها ما هو تربوي أخلاقي. وقد شاعت في هذه الوصايا قيم أخلاقية رفيعة، مثل الدعوة إلى التقوى، وصلة الرحم، والكرم، والوفاء، والشجاعة، والعفو عند المقدرة، والنهي عن الغدر والبغي، وغير ذلك من مكارم الأخلاق.

إن وصايا الجاهليين التربوية كانت صورةً للقيم المثلى التي تحلَّى بها كرام الجاهليين، وحرصوا على غرسها في أبنائهم. ولا شك أن كثيرًا من هذه الوصايا لم يصل إلينا، إما لعدم تدوينها، أو لضياع ما دُوِّن منها ضمن تراثنا العربي المفقود.

وقد بقي غرضٌ واحد لم نتحدث عنه، وهو وصايا الآباء إلى بناتهم عند تزويجهن، وهو غرضٌ وصلت إلينا منه نصوص نادرة، وسنؤثر الحديث عنه عند دراسة وصايا الآباء في عصر صدر الإسلام والعصر الأموي، إن شاء الله.

مقتبس من كتاب: «وصايا الآباء إلى أولادهم عبر عشرة قرون»، دراسة ونصوص للكاتبة سناء ناجي المصرف.
اللغة
الاخلاق
الابناء
التاريخ
الاباء
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    مفهوم القَيُّومة بين الرجل والمرأة في القرآن

    مفهوم القَيُّومة بين الرجل والمرأة في القرآن

    الأثنين 14 ايلول 2026/
    القضاء والقدر.. أين تبدأ حرية الإنسان؟

    القضاء والقدر.. أين تبدأ حرية الإنسان؟

    الأثنين 07 ايلول 2026/
    امتحان طلب العلم

    امتحان طلب العلم

    الأربعاء 26 آب 2026/
    الرأس الشريف بين الكوفة والركب الحسيني

    الرأس الشريف بين الكوفة والركب الحسيني

    الخميس 30 تموز 2026/
    الاعتقاد بالإمام المهدي.. كيف ترسخت هذه العقيدة منذ عصر الرسول؟

    الاعتقاد بالإمام المهدي.. كيف ترسخت هذه العقيدة منذ عصر الرسول؟

    الأحد 26 تموز 2026/
    الجدال وأثره على العقل الباطن

    الجدال وأثره على العقل الباطن

    الأثنين 20 تموز 2026/

    آخر الاضافات

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟

    كلمات تبني الطفل.. حين يصبح الحب مسموعًا

    الكتابة ليست مجرد هواية.. كيف تعيد تشكيل الدماغ وتقوي المرونة النفسية؟

    أثر العدوان اللفظي في تربية الأطفال

    ثمانية تجعلك تسعى للتقرب من أصدقاء أبنائك ومصادقتهم

    خيوط جديدة لفهم التصلب المتعدد.. فيروس كامن والتهاب مزمن في دائرة الاشتباه

    ما الذي تمنحه الألعاب للكبار؟

    التخطيط الناجح.. أربعة أعمدة تصنع الفرق

    آخر القراءات

    امضِ قدما نحو سلم النجاح

    النشر : السبت 08 نيسان 2017
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    دور الإعلام المعادي في صناعة الانهيار

    النشر : الأثنين 22 حزيران 2026
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    ماهي الأمور التي تطيل العمر؟

    النشر : السبت 22 تشرين الاول 2022
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    ثقافة الامتنان

    النشر : الأحد 11 تشرين الثاني 2018
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    ماهي الطريقة الأمثل لتناول بذور الشيا؟

    النشر : الأربعاء 02 آب 2023
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    رأس المال المهاري

    النشر : الأربعاء 30 حزيران 2021
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    الأجهزة المحمولة تهدد بشرة الأطفال بـمتلازمة الجلد المحمص

    • 312 مشاهدات

    التربية الإسلامية للطفل.. من الرعاية المبكرة إلى بناء الشخصية

    • 311 مشاهدات

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (١)

    • 303 مشاهدات

    فيتامين "F".. التسمية القديمة لأحماض دهنية أساسية تحمي القلب والدماغ والبشرة

    • 300 مشاهدات

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    • 299 مشاهدات

    التمايز الذاتي: كيف نحمي أنفسنا من الاستنزاف العاطفي؟

    • 293 مشاهدات

    لماذا تملّ القلوب؟ قراءة نفسية وتربوية في حكمة علوية

    • 763 مشاهدات

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    • 622 مشاهدات

    الاستعداد النفسي للولادة.. حين تكون الطمأنينة نصف الطريق إلى الأمومة

    • 525 مشاهدات

    سننظر: منهج البحث عن الحقيقة

    • 517 مشاهدات

    أصداء : حين يرمم الأثرُ انكسارَ السند

    • 490 مشاهدات

    الإمام الحسن العسكري… دروسٌ في صناعة المنتظر

    • 488 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟
    • منذ 15 ساعة
    كلمات تبني الطفل.. حين يصبح الحب مسموعًا
    • منذ 15 ساعة
    الكتابة ليست مجرد هواية.. كيف تعيد تشكيل الدماغ وتقوي المرونة النفسية؟
    • منذ 16 ساعة
    أثر العدوان اللفظي في تربية الأطفال
    • الأثنين 05 تشرين الاول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة