• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

الدعاء… جبهة الروح في زمن العواصف

ضمياء العوادي / الثلاثاء 17 آذار 2026 / اسلاميات / 708
شارك الموضوع :

تلك الأدعية التي لم تكن مجرد مناجاة، بل مدرسة كاملة في معرفة الله، وفي آداب الحديث معه

مع كلِّ موجةٍ من الصراعات والحروب، ومع اشتداد الخطر الذي يطرق أبواب المدن والبيوت والقلوب، كنّا نلوذ بعبارةٍ تشبه التميمة الروحية التي تزرع الطمأنينة في صدورنا:

«إنّي أريد أماناً يا بن فاطمة مستمسكاً بيدي من طارق الزمن».

كانت أمي تكتبها على جدران البيت كما لو أنها ترسم حدود الأمان حولنا، فنشعر أن ذلك الجدار لم يعد طيناً أو حجراً، بل صار ظلَّ عباءةٍ تمتد من التاريخ لتغمرنا بالحماية. كنا نقرأها قبل النوم فنرقد بطمأنينةٍ عجيبة، كأن الأرواح الصغيرة التي تسكن صدور الأطفال قد وجدت سندها الخفي، وكأن الخوف الذي كان يتسلل من نوافذ الأخبار وأصوات الانفجارات قد انكسر عند عتبة تلك الكلمات.

منذ ذلك الوقت أدركتُ أن الدين لم يكن يوماً مجرد طقوسٍ تُؤدَّى، بل هو الحبل الذي يتشبث به الإنسان حين تضيق الأرض وتثقل الأيام. فالفطرة التي خلق الله (عزّ وجلّ) الإنسان عليها لا تستطيع أن تنكر حاجتها إلى السماء، حتى وإن حاولت العقول أن تتجاهلها. فكم من إنسانٍ سار في دروب الشك، أو دفعته الحياة إلى مساحاتٍ بعيدة عن الإيمان، لكنه حين يشتد الخوف أو تضيق به السبل يكتشف أن في داخله نداءً خفياً يبحث عن إلهٍ يلوذ به.

أما نحن أبناء الدعاء، أبناء تلك الكلمات التي تبدأ بـ «اغفر لمن لا يملك إلا الدعاء»، فقد تربّينا على أن الدعاء ليس مجرد رجاءٍ يُرفع إلى السماء، بل هو يقينٌ بقدرة الله على تغيير الأقدار، وتبديل المصائر، وإعادة ترتيب العالم حين تختلط موازينه.

الدعاء يمنح القلب سكينةً لا تشبه شيئاً آخر، ويزيد في داخل الإنسان مخزوناً من الاطمئنان يجعله يقف أمام العواصف ثابتاً، كأنه يستند إلى قوةٍ غير مرئية. ففي ثقافتنا المروية من الطف، وفي ذاكرتنا المشبعة بمدرسة كربلاء، تعلّمنا أن نرفع رؤوسنا إلى السماء في أقسى اللحظات قائلين بثقة المؤمن:

«يا رب إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى».

لقد شاهد العالم بأسره تلك القوة التي تسكن قلوب أمهات الشيعة حين قدّمن أبناءهن شهداء في ميادين الوطن. لم يكن الأمر مجرّد صبرٍ عابر، بل كان تهذيباً عميقاً للمشاعر، جعل الأم تمسك قلبها بيد، وترفعه فخراً بالعقيدة باليد الأخرى. بين دمعة الأمومة واعتزاز الإيمان وقفت تلك الأمهات شاهداً على مدرسةٍ روحيةٍ لا تشبه غيرها.

وحين تعصف رياح الغم والخوف بنا، ونسأل أنفسنا: ماذا ينتظرنا بعد كل هذا الألم؟

يأتينا الجواب من صحراء كربلاء، من كلمات علي الأكبر (عليه السلام) التي تختصر فلسفة الشجاعة والإيمان:

«أولسنا على الحق؟ إذن لا نبالي أوقعنا على الموت أم وقع الموت علينا».

من هنا نفهم أن الدعاء في مدرسة أهل البيت (صلوات الله عليهم) لم يكن انعزالاً عن الواقع، بل كان جبهةً روحية تقف بوجه الظلم، وطريقاً لتثبيت الحق في القلوب. ولذلك ترك لنا الإمام زين العابدين (عليه السلام) كنزاً خالداً هو الصحيفة السجادية، تلك الأدعية التي لم تكن مجرد مناجاة، بل مدرسة كاملة في معرفة الله، وفي آداب الحديث معه، وفي شكر نعمه، سواء جاءت بثوب الفرح أو برداء الابتلاء، فكل ما يأتي من الله رحمة، وإن بدا في ظاهره قاسياً.

وهذا المعنى يتجلّى بوضوح في قوله تعالى:

﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾.

فما يأتي من الله كله خير، حتى وإن مرَّ عبر دروبٍ وعرة، وما يصدر من الإنسان فهو ما يثقل العالم بالشرور.

ولذلك، مهما اشتدت العاصفة، يبقى في قلوبنا يقينٌ بأن كل هذه الآلام تقرّبنا خطوةً من الفرج الأكبر، ومن ظهور المولى الغائب الذي تنتظره القلوب منذ قرون. وبين انتظارٍ وأمل، يبقى دعاء الغريق حبل النجاة الذي أوصى به الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، وتبقى أمنياتنا تتجسد في تلك الكلمات التي نرفعها إلى السماء برجاءٍ صادق:

«واجعلني ممّن تنتصر به لدينك، ولا تستبدل به غيري».

فما أعظم أن يكون الإنسان جزءاً من مشروع السماء، وما أعمق خوفه أن يُقصَّر فيُستبدل به غيره. ولذلك يبقى دعاؤنا دائماً:

أن نبقى أهلاً للثقة الإلهية، وأن لا يكتب التاريخ أننا كنّا غائبين حين احتاج الحق إلى أنصار.

الحروب
الايمان
القيم
أزمات
الروح
الدعاء
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    عقول في المصيدة: حين تُسرق الذات تحت لافتة المعرفة السطحية

    عقول في المصيدة: حين تُسرق الذات تحت لافتة المعرفة السطحية

    الأثنين 14 ايلول 2026/
    نظام الطيبات... عند النبي محمد

    نظام الطيبات... عند النبي محمد

    الأحد 06 ايلول 2026/
    سرقة في وضح التعامل!

    سرقة في وضح التعامل!

    الخميس 03 ايلول 2026/
    زهراء حسين جبار.. حين تتحول العتمة إلى نورٍ من علمٍ وقلم

    زهراء حسين جبار.. حين تتحول العتمة إلى نورٍ من علمٍ وقلم

    الأربعاء 10 حزيران 2026/
    دعاء عرفة.. محطة تصفية الذنوب

    دعاء عرفة.. محطة تصفية الذنوب

    الثلاثاء 26 آيار 2026/
    ميثاقًا غليظا.. لماذا بات خيطا ناعما

    ميثاقًا غليظا.. لماذا بات خيطا ناعما

    الثلاثاء 19 آيار 2026/

    آخر الاضافات

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟

    كلمات تبني الطفل.. حين يصبح الحب مسموعًا

    الكتابة ليست مجرد هواية.. كيف تعيد تشكيل الدماغ وتقوي المرونة النفسية؟

    أثر العدوان اللفظي في تربية الأطفال

    ثمانية تجعلك تسعى للتقرب من أصدقاء أبنائك ومصادقتهم

    خيوط جديدة لفهم التصلب المتعدد.. فيروس كامن والتهاب مزمن في دائرة الاشتباه

    ما الذي تمنحه الألعاب للكبار؟

    التخطيط الناجح.. أربعة أعمدة تصنع الفرق

    آخر القراءات

    اكسير الحياة وكيمياءُ الروح

    النشر : السبت 15 شباط 2025
    اخر قراءة : منذ 53 دقيقة

    غانم المفتاح: المعجزة

    النشر : الأربعاء 07 كانون الأول 2022
    اخر قراءة : منذ 53 دقيقة

    كتب تَبْنِي مجتمعات

    النشر : الأربعاء 12 شباط 2025
    اخر قراءة : منذ 53 دقيقة

    انخفاض عدد ساعات النوم يرفع من أخطار أمراض القلب

    النشر : الأحد 01 حزيران 2025
    اخر قراءة : منذ 53 دقيقة

    هل يمكن أن يكون الخجل شيئًا خطيرا على الأطفال؟!

    النشر : الخميس 04 آيار 2023
    اخر قراءة : منذ 53 دقيقة

    ماهو الرابط بين التدخين وكورونا؟

    النشر : الأحد 22 تشرين الثاني 2020
    اخر قراءة : منذ 53 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    الأجهزة المحمولة تهدد بشرة الأطفال بـمتلازمة الجلد المحمص

    • 312 مشاهدات

    التربية الإسلامية للطفل.. من الرعاية المبكرة إلى بناء الشخصية

    • 310 مشاهدات

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (١)

    • 303 مشاهدات

    فيتامين "F".. التسمية القديمة لأحماض دهنية أساسية تحمي القلب والدماغ والبشرة

    • 300 مشاهدات

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    • 299 مشاهدات

    التمايز الذاتي: كيف نحمي أنفسنا من الاستنزاف العاطفي؟

    • 293 مشاهدات

    لماذا تملّ القلوب؟ قراءة نفسية وتربوية في حكمة علوية

    • 763 مشاهدات

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    • 622 مشاهدات

    الاستعداد النفسي للولادة.. حين تكون الطمأنينة نصف الطريق إلى الأمومة

    • 525 مشاهدات

    سننظر: منهج البحث عن الحقيقة

    • 517 مشاهدات

    أصداء : حين يرمم الأثرُ انكسارَ السند

    • 490 مشاهدات

    الإمام الحسن العسكري… دروسٌ في صناعة المنتظر

    • 488 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟
    • منذ 14 ساعة
    كلمات تبني الطفل.. حين يصبح الحب مسموعًا
    • منذ 14 ساعة
    الكتابة ليست مجرد هواية.. كيف تعيد تشكيل الدماغ وتقوي المرونة النفسية؟
    • منذ 15 ساعة
    أثر العدوان اللفظي في تربية الأطفال
    • الأثنين 05 تشرين الاول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة