• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

الدعاء… جبهة الروح في زمن العواصف

ضمياء العوادي / الثلاثاء 17 آذار 2026 / اسلاميات / 595
شارك الموضوع :

تلك الأدعية التي لم تكن مجرد مناجاة، بل مدرسة كاملة في معرفة الله، وفي آداب الحديث معه

مع كلِّ موجةٍ من الصراعات والحروب، ومع اشتداد الخطر الذي يطرق أبواب المدن والبيوت والقلوب، كنّا نلوذ بعبارةٍ تشبه التميمة الروحية التي تزرع الطمأنينة في صدورنا:

«إنّي أريد أماناً يا بن فاطمة مستمسكاً بيدي من طارق الزمن».

كانت أمي تكتبها على جدران البيت كما لو أنها ترسم حدود الأمان حولنا، فنشعر أن ذلك الجدار لم يعد طيناً أو حجراً، بل صار ظلَّ عباءةٍ تمتد من التاريخ لتغمرنا بالحماية. كنا نقرأها قبل النوم فنرقد بطمأنينةٍ عجيبة، كأن الأرواح الصغيرة التي تسكن صدور الأطفال قد وجدت سندها الخفي، وكأن الخوف الذي كان يتسلل من نوافذ الأخبار وأصوات الانفجارات قد انكسر عند عتبة تلك الكلمات.

منذ ذلك الوقت أدركتُ أن الدين لم يكن يوماً مجرد طقوسٍ تُؤدَّى، بل هو الحبل الذي يتشبث به الإنسان حين تضيق الأرض وتثقل الأيام. فالفطرة التي خلق الله (عزّ وجلّ) الإنسان عليها لا تستطيع أن تنكر حاجتها إلى السماء، حتى وإن حاولت العقول أن تتجاهلها. فكم من إنسانٍ سار في دروب الشك، أو دفعته الحياة إلى مساحاتٍ بعيدة عن الإيمان، لكنه حين يشتد الخوف أو تضيق به السبل يكتشف أن في داخله نداءً خفياً يبحث عن إلهٍ يلوذ به.

أما نحن أبناء الدعاء، أبناء تلك الكلمات التي تبدأ بـ «اغفر لمن لا يملك إلا الدعاء»، فقد تربّينا على أن الدعاء ليس مجرد رجاءٍ يُرفع إلى السماء، بل هو يقينٌ بقدرة الله على تغيير الأقدار، وتبديل المصائر، وإعادة ترتيب العالم حين تختلط موازينه.

الدعاء يمنح القلب سكينةً لا تشبه شيئاً آخر، ويزيد في داخل الإنسان مخزوناً من الاطمئنان يجعله يقف أمام العواصف ثابتاً، كأنه يستند إلى قوةٍ غير مرئية. ففي ثقافتنا المروية من الطف، وفي ذاكرتنا المشبعة بمدرسة كربلاء، تعلّمنا أن نرفع رؤوسنا إلى السماء في أقسى اللحظات قائلين بثقة المؤمن:

«يا رب إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى».

لقد شاهد العالم بأسره تلك القوة التي تسكن قلوب أمهات الشيعة حين قدّمن أبناءهن شهداء في ميادين الوطن. لم يكن الأمر مجرّد صبرٍ عابر، بل كان تهذيباً عميقاً للمشاعر، جعل الأم تمسك قلبها بيد، وترفعه فخراً بالعقيدة باليد الأخرى. بين دمعة الأمومة واعتزاز الإيمان وقفت تلك الأمهات شاهداً على مدرسةٍ روحيةٍ لا تشبه غيرها.

وحين تعصف رياح الغم والخوف بنا، ونسأل أنفسنا: ماذا ينتظرنا بعد كل هذا الألم؟

يأتينا الجواب من صحراء كربلاء، من كلمات علي الأكبر (عليه السلام) التي تختصر فلسفة الشجاعة والإيمان:

«أولسنا على الحق؟ إذن لا نبالي أوقعنا على الموت أم وقع الموت علينا».

من هنا نفهم أن الدعاء في مدرسة أهل البيت (صلوات الله عليهم) لم يكن انعزالاً عن الواقع، بل كان جبهةً روحية تقف بوجه الظلم، وطريقاً لتثبيت الحق في القلوب. ولذلك ترك لنا الإمام زين العابدين (عليه السلام) كنزاً خالداً هو الصحيفة السجادية، تلك الأدعية التي لم تكن مجرد مناجاة، بل مدرسة كاملة في معرفة الله، وفي آداب الحديث معه، وفي شكر نعمه، سواء جاءت بثوب الفرح أو برداء الابتلاء، فكل ما يأتي من الله رحمة، وإن بدا في ظاهره قاسياً.

وهذا المعنى يتجلّى بوضوح في قوله تعالى:

﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾.

فما يأتي من الله كله خير، حتى وإن مرَّ عبر دروبٍ وعرة، وما يصدر من الإنسان فهو ما يثقل العالم بالشرور.

ولذلك، مهما اشتدت العاصفة، يبقى في قلوبنا يقينٌ بأن كل هذه الآلام تقرّبنا خطوةً من الفرج الأكبر، ومن ظهور المولى الغائب الذي تنتظره القلوب منذ قرون. وبين انتظارٍ وأمل، يبقى دعاء الغريق حبل النجاة الذي أوصى به الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، وتبقى أمنياتنا تتجسد في تلك الكلمات التي نرفعها إلى السماء برجاءٍ صادق:

«واجعلني ممّن تنتصر به لدينك، ولا تستبدل به غيري».

فما أعظم أن يكون الإنسان جزءاً من مشروع السماء، وما أعمق خوفه أن يُقصَّر فيُستبدل به غيره. ولذلك يبقى دعاؤنا دائماً:

أن نبقى أهلاً للثقة الإلهية، وأن لا يكتب التاريخ أننا كنّا غائبين حين احتاج الحق إلى أنصار.

الحروب
الايمان
القيم
أزمات
الروح
الدعاء
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    زهراء حسين جبار.. حين تتحول العتمة إلى نورٍ من علمٍ وقلم

    زهراء حسين جبار.. حين تتحول العتمة إلى نورٍ من علمٍ وقلم

    الأربعاء 10 حزيران 2026/
    دعاء عرفة.. محطة تصفية الذنوب

    دعاء عرفة.. محطة تصفية الذنوب

    الثلاثاء 26 آيار 2026/
    ميثاقًا غليظا.. لماذا بات خيطا ناعما

    ميثاقًا غليظا.. لماذا بات خيطا ناعما

    الثلاثاء 19 آيار 2026/
    لمة حلا… حكاية كفاح امرأة صنعت الأمل من رحم المعاناة

    لمة حلا… حكاية كفاح امرأة صنعت الأمل من رحم المعاناة

    الثلاثاء 12 آيار 2026/
    شعرية السيرة بين الجمال والعقيدة: أبو الفضل العباس في مرآة القصيدة

    شعرية السيرة بين الجمال والعقيدة: أبو الفضل العباس في مرآة القصيدة

    الثلاثاء 05 آيار 2026/
    سلوى المظلوم.. حين يكون الظلم طريقا إلى العلو

    سلوى المظلوم.. حين يكون الظلم طريقا إلى العلو

    الأحد 26 نيسان 2026/

    آخر الاضافات

    من هدي الإمام الحسن العسكري: الصلاة على محمد وآل محمد

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    تقبّل.. فما حدث قد حدث

    كانديدا أوريس.. فطر مقاوم يثير القلق في مرافق الرعاية الصحية

    الإمام الحسن العسكري عليه السلام: القيادة في ظل الرقابة العباسية

    مد يد العون وأهمية النصيحة

    عرض كتاب: فكرة الرسم وكيف يساعدنا الرسم على الملاحظة والاكتشاف والاختراع

    عسر الهضم.. خطوات بسيطة في المنزل قد تساعد على تخفيف الأعراض

    آخر القراءات

    قوة الشخصية: كيف تصبح الفتاة قوية في المجتمع؟

    النشر : الأربعاء 29 ايلول 2021
    اخر قراءة : منذ 21 دقيقة

    احتواء المشاكل الزوجية

    النشر : السبت 02 آيار 2026
    اخر قراءة : منذ 21 دقيقة

    في ذكرى جدتي التاسعة عشرة

    النشر : الأثنين 05 آيار 2025
    اخر قراءة : منذ 21 دقيقة

    توأم الروح!

    النشر : الأحد 29 كانون الأول 2019
    اخر قراءة : منذ 21 دقيقة

    زوجات.. ما بعد الشهادة

    النشر : الأحد 15 تشرين الثاني 2020
    اخر قراءة : منذ 21 دقيقة

    ما هي أفضل طريقة لتناول بذور الشيا؟ 

    النشر : الثلاثاء 19 ايلول 2023
    اخر قراءة : منذ 21 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 821 مشاهدات

    جمعية المودة والازدهار تنظم جلسة حول هندسة الوعي وبناء الحصانة الفكرية في المنتدى النسوي

    • 401 مشاهدات

    أفكار ذكية لغرفة المعيشة في شقة اقتصادية

    • 395 مشاهدات

    الوداع النبويّ .. وقبلة الأحزان في خطر

    • 350 مشاهدات

    حقن نفسه ببكتيريا عمرها 3.5 مليون سنة: هل اكتشف إكسير الخلود أم فتح أبواب الجحيم البيولوجي؟

    • 308 مشاهدات

    الإفراط في تصفح الإنترنت قد يفاقم التوتر والمشاعر السلبية.. دراسة تكشف السبب

    • 301 مشاهدات

    الأسرة التي تصنع الأبطال: قراءة تربوية في بيت الإمام الحسين

    • 1012 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 821 مشاهدات

    شمس الأنبياء.. وداع الأمة الأخير

    • 729 مشاهدات

    من جابر إلى صاحب الزمان… فلسفة المشاركة في نهضة الإمام الحسين

    • 626 مشاهدات

    الرسول الأكرم وبناء ثقافة التسامح: رحمةٌ واعية وعدلٌ يحفظ الحقوق

    • 602 مشاهدات

    العفة وضبط النفس في ادارة الرغبات

    • 596 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    من هدي الإمام الحسن العسكري: الصلاة على محمد وآل محمد
    • منذ 9 ساعة
    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة
    • منذ 9 ساعة
    تقبّل.. فما حدث قد حدث
    • منذ 9 ساعة
    كانديدا أوريس.. فطر مقاوم يثير القلق في مرافق الرعاية الصحية
    • منذ 9 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة