في أيِّ بيتٍ يختلف وقعُ الابنِ الأول والحفيدِ الأول، خصوصًا إن كانت الابنةُ هي الوحيدة، فالجميع يذوقون فرحةً مختلفةَ الوقع: الأمُّ بنبضها الأول، والأبُ بزهوِ الامتداد، والجدُّ بشعورِ العودِ إلى بداياته، والعائلةُ بأسرها وهي ترى اسمها يكبر أمام عينيها، فكيف إذا كان المولودُ هو سبطَ رسولِ الله (صلوات الله عليه) الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)؟
لقد كان لميلاد الإمام الحسن (عليه السلام) الأثرُ الأعمق في بيت النبوّة؛ إذ غمرت الفرحةُ قلبَ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فحمله بين يديه، وأذّن في أذنه، وأقام في الأخرى، وعقَّ عنه، وحلق شعره، وتصدّق بوزنه فضّة، لتكون هذه السننُ نهجًا ربّانيًا يغيّر عادات الجاهلية ويؤسس لثقافةٍ جديدةٍ عنوانها الطُّهر والرحمة، فلم تكن فرحةً عابرة، بل كانت إعلانًا عن قدوم صفحةٍ مشرقةٍ من صفحات الإمامة والكرم الإلهي.
وهذه الفرحة لم تبقَ حبيسةَ الزمن الأول، بل انتقلت إلينا بطينة تكويننا، كما رُوي عن الإمام: «شيعتُنا خُلقوا من فاضل طينتنا، يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا». لذلك ظلَّ ميلاد الإمام الحسن (عليه السلام) مناسبةً تتوارثها القلوب قبل البيوت، ويُحييها الناس بطريقتهم الخاصة، كلٌّ بحسب بيئته وعاداته.
فمنهم من يقيم المواليد ومجالس الفرح في داره، ومنهم من يحتفي بها في الحسينيات، وآخرون يحيونها بصنع الحلويات وتزيين البيوت وإدخال السرور على الأطفال، وفي دول الخليج وجنوب العراق يُقام «القرقيعان»؛ حيث يجوب الأطفال الأزقة بملابس تراثية، مشتقة من الفلكلور الخاص بالمدينة، يصدحون بالأناشيد، ويتبادلون الحلوى في مشهدٍ يعكس بهجة المجتمع وتماسكه، وإعلان انتماءه لهذه الفرحة، ومن العادات الجميلة في أرياف كربلاء ما يُعرف بـ«الخَوّارة»، إذ تتهادى العوائل أطباق الإفطار فيما بينها ليلة الخامس عشر من شهر رمضان المبارك، احتفاءً بميلاد المجتبى (عليه السلام)، كما يعتقدون أن هذه الليلة فيها تجوب موتاهم لتتشارك معهم هذه الليلة فتجد المائدة عامرةً بأصنافٍ متعددةٍ جاءت من بيوتٍ شتّى، وكأن السفرة تتزيّن بعنوان: «كرم الحسن عليه السلام».
وهنا لا يكون الطعام مجرد قِرى، بل رسالة محبةٍ وتكافلٍ واستذكارٍ لسيرة الإمام الذي عُرف بسخائه وعطائه، وكل هذا التنوع ومهما اختلفت أشكال الاحتفال، يبقى الجوهر واحدًا: إحياء معنى «يفرحون لفرحنا»، وتجديد العهد مع مدرسة الكرم، حتى يصبح الفرح بالإمام الحسن (عليه السلام) سلوكًا يُترجم في بيوتنا، وقلوبنا، وعلاقاتنا مع الآخرين، وأن ننهل من ثقافة عطائه وأن نستثمر كل هذه الاحتفالات بالتذكير بسيرته وأحاديثه ونقلها للاطفال حتى تبقى عالقة في أذهانهم يتناقلونها قولا وفعلا.








اضافةتعليق
التعليقات