مع كل شتاء يتجدد عهدي مع بلوزة أمي البيضاء ذات الساعة في المنتصف والتي تعود إلى تسعينات القرن الماضي، وقد ارتديناه أنا وأخواتي، ومثله مثل كثير من الملابس الشتوية، وبعض الأغراض التي اعتدنا مشاركتها من الأجداد إلى الأحفاد، فجدتي تدخر الأواني الزجاجية لكل حفيدة تولد وعند زفافها تعطيها إياها، فضلا عن احتفاظ أمي بملابسنا ونحن أطفال لنرى اليوم بناتنا وهن يرتدين تلك الملابس ومع كل حاجة أو غرض نستعرض بعض من الذكريات والمواقف التي تخصه.
قد يبدو الأمر جميلا لبعض الأشخاص وواجهتنا كثيرا عبارات المدح بالمحافظة على هذه العادة القديمة التي كانت أغلب الجدات يقمن بها، وآخرون يرون أن هذا التقليد قديم جدا خصوصا مع وفرة الأغراض والملابس في الأسواق بكثرة!
ومنهم من يرى أن الأمر معنوي أكثر من ما هو مادي فقد يتعلق باستفاقة الذكريات والحنين إلى الماضي وتفاصيله الجميلة والتي تتجسد بالنقوش والزخرفة والتطريز والزخارف اليدوية فهي تحمل روحاً أكثر مما هو عليه في الوقت الحاضر، وآخرون عدّوا هذا الاحتفاظ توفيرا ويدل على نظافة المرأة واهتمامها بالأشياء أو ما تسمى باللهجة العراقية (نادرة) أو (معدّلة)، وقد سمعت مثل هذا التعليق الذي أثار فضولي في البحث أكثر خصوصا وقد اشتهر في الآونة الأخيرة فيديوهات لبنات يرتدين فساتين زفاف أمهاتهن وإحياء ذلك له وقعه على الأم وهي ترى ابنتها تعيد ذكراها، وجدت في البحث أن هناك ملكات قمن بهذا الفعل.
إن الانخراط المبالغ به خلف الموضة وهوس التغيير عندما يظهر قباله احتفاظ بالملابس أو الأواني قد يعيد فكرة أكبر من كون الأمر اقتصادي أو يُراد به التوفير بل أن الجانب القيمي فيه أكبر فالعودة إلى التراث والأصالة والتمسك بالموروث يحتاج إلى ثبات ولو على مستوى العائلة الواحدة فعندما نرى عائلة تحتفظ بقيمها وعاداتها (الجيدة) يبدو الأمر مثل أن نتفاجئ بمرور أكثر من ٤٠ عاما على ثوب وليس فيه ما يدل على قدمه كأنه قد أخيط بالأمس!.
سرعة الأعوام مع سرعة اختلاف العادات والتقاليد والقيم والكلمات والمصطلحات هذه السرعة المخيفة في كل شي تحتاج إلى مكابح جيدة فهذا الخطر في مواكبة السرعة في لحظة غفلة قد يودي إلى إنهيار المنظومة القيمة لدى الفرد، فلعله ما نحتاجه في هذا الزمن هو محافظة كل عائلة على أرشيفها من العقائد والقيم والعادات والأخلاق الأساسية لأنها بعد ٤٠ عاماً ستتذكر هذا الجهاد بالحفاظ على أسرتها وأسرة أولادها لتراهم أسوة ونماذج في المجتمع يحتذى بهم أو يترحم على أبويهم الذين كافحوا وسط زحام الابتلاءات والشبهات واختلاط الحلال بالحرام وغربة المنظومة الأخلاقية وسيطرة قانون الغاب على حياة البشرية.
هذا الفخر والفرح سردته لي إحدى الصديقات وهي تحضر مسابقة قرآنية الفائزة فيها حافظة للقرآن الكريم وأمها كذلك وأخيها فضلا عن تجلي الخلق الواضح في تعاملاتهم مع الآخرين، عائلة من يراها يظنها تنتمي إلى غير زمان ومكان وكان الثناء على تربية الأم التي استطاعت أن تحافظ على ارشيفها الأخلاقي المستمد من خلق محمد وآله الأطهار وتنقله إلى ابنتها وهي طالبة في الطب العام وتحفظ القرآن الكريم ومنشدة وناشطة في المجال الديني والاجتماعي، مثل هذه النماذج هي المخزون الذي نتمناه لبناتنا وأبنائنا لكن هذا لا يتأتى من الإهمال ومواكبة التغيير والحداثة والترندات بل من الثبات على النهج القويم هذا الثبات الذي وصفه أهل البيت (عليهم السلام) كالقابض على الجمرة.








اضافةتعليق
التعليقات