في تاريخ الرسالات العظمى، تقف بعض الشخصيّات لا بوصفها شهودًا على التحوّل، بل بوصفها صُنّاعًا له، ومن هؤلاء تشرق أمّ المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد (عليها السلام)، المرأة التي لم تكن زوجة النبي فحسب، بل كانت القلب الذي احتضن الرسالة، واليد التي حملت عبئها، والروح التي آمنت بها قبل أن يسمع بها العالم، فهي تحتلّ موقعًا فريدًا في التاريخ الإسلامي، ليس لأنها زوجة رسول الله صلوات الله عليه فحسب، بل إحدى الشخصيات التأسيسية في مسار الدعوة الإسلامية.
فقد اجتمعت في شخصيتها عناصر نادرة من الشرف، والعقل، والعفاف، والاستقلال، والإيمان العميق، حتى غدت نموذجًا إنسانيًا متكاملًا سبق عصره، وارتقى فوق مقاييس مجتمعه.
الريادة في الإيمان
كانت خديجة (عليها السلام) أول من آمن برسالة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فدخلت الإسلام في لحظةٍ كان التصديق فيها مغامرةً وجودية، وموقفًا يجرّ العداء والمقاطعة والتشويه، لم تطلب برهانًا، ولم تتردد أمام عِظم المسؤولية، بل استند إيمانها إلى معرفتها العميقة بصدق زوجها وأمانته، فكان يقينها سابقًا للكلمة، وثباتها أسبق من الجميع.
وقد خلّد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا الموقف الخالد بقوله:
«آمنت بي إذ كفر الناس، وصدّقتني إذ كذّبني الناس، وواستني في مالها إذ حرمني الناس».
وهو حديثٌ يؤرخ لشراكةٍ روحيةٍ وفكريةٍ حقيقية، لا لعلاقة زوجيةٍ تقليدية، ويكشف عن عمق الدور الذي أدّته خديجة في تثبيت الرسالة في أخطر مراحلها.
فالعطاء تأسيسًا لا إحسانًا فلم يكن مال خديجة (عليها السلام) ترفًا اجتماعيًا، بل تحوّل في يدها إلى أداةٍ رسالية، فقد سخّرت ثروتها ونفوذها في خدمة الدعوة، خصوصًا في سنوات الحصار القاسي في شِعب أبي طالب، حيث صمد المسلمون على حافة الجوع والعزلة. أنفقت كل ما تملك دون منّة أو تردّد، حتى خرجت من الحصار منهكة الجسد، عظيمة الروح، وقد أدّت دورها كاملًا.
ولم يكن عطاؤها مادّيًا فقط، بل نفسيًا ومعنويًا؛ فقد كانت الملاذ الآمن للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والمُسكّنة لآلامه، والمخفّفة لوقع الأذى عنه، حتى غدت رمزًا للوفاء والصبر في أقسى الظروف.
مكانتها في السماء
لم يقتصر تكريم خديجة (عليها السلام) على الأرض، بل جاءها السلام من السماء، فقد نزل جبرئيل (عليه السلام) على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حاملًا رسالة إلهية خاصة لها، فيها سلام الله وبشرى بيتٍ في الجنة «لا صخب فيه ولا نصب» وهو تكريمٌ نادر يدلّ على رفعة مقامها وعلوّ منزلتها عند الله تعالى.
كما عدّها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ضمن النساء الكاملات، فقال:
«كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد».
وهذا الحديث يضع خديجة في مصافّ النماذج النسائية الكبرى في تاريخ الإنسانية، لا في الإسلام وحده.
خديجة وأهل البيت (عليهم السلام)
تتجلّى عظمة خديجة (عليها السلام) بصورةٍ أعمق حين نقرأ حضورها في وجدان أهل البيت (عليهم السلام). فهي أمّ فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ومنها امتدّ نسل النبوّة والإمامة، وقد عبّر جعفر الصادق (عليه السلام) عن هذا البعد العقدي بقوله:
«إنّ الله تعالى جعل خديجة وعاءً لنور الإمامة».
ولهذا كان المعصومون (عليهم السلام) يفتخرون بها، ويستحضرون اسمها في مقام الاحتجاج والاعتزاز، ويرون فيها أصلًا من أصول شرفهم الرسالي.
مظلوميّة الطاهرة
على الرغم من هذا المقام السامي، تعرّضت السيدة خديجة (عليها السلام) إلى ظلمٍ تاريخيّ تمثّل في طمس أدوارها، وتشويه سيرتها، واختلاق رواياتٍ واهية لا تنسجم مع مكانتها ولا مع أخلاقها ولا مع مقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد استُخدمت هذه الروايات لتقليل شأنها، أو لإفراغ دورها من مضمونه الحقيقي، وهو ما يكشف عن دوافع سياسية ومذهبية أكثر من كونه بحثًا علميًا نزيهًا.
والحقّ أنّ الطعن في خديجة ليس طعنًا في امرأةٍ صالحة فحسب، بل هو مساسٌ بجذور الدعوة الإسلامية وبطهارة بيت النبوّة، فإعادة قراءة سيرتها قراءةً منصفة ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة فكرية لإعادة الاعتبار لدور المرأة في صناعة الرسالة، ولتصحيح الوعي الإسلامي تجاه إحدى أعظم نساء الإنسانية.





اضافةتعليق
التعليقات