الحياة المعاصرة مع الزيادة السكانية باتت كثيرة الثرثرة وتزداد الحوارات المزعجة وغير المرغوب فيها من شخصيات غير محبوبة وتكون بصيغة الاستجواب المستفز لا الاستفهام المقبول بالتالي تصنع سوء تفاهم وأحيانا تتطور للخصام، وهذه الحالة تكون منتشرة بين النساء أكثر من الرجال كون المرأة تحب معرفة التفاصيل والجزئيات، والنساء ينقسمن إلى قسمين الفئة الغالبة هي المبالغة بفضولها أما القسم الآخر هم الذين لا يحبون مشاركة خصوصياتهم وينعزلون عن العالم ويفضلون عدم التواصل من الأساس.
وهنا تكمن مشكلة الانقطاع عن العالم الخارجي مما قد يشكل أزمة في طريقة التعامل مع الظروف الطارئة أو يتم تقصير في الاعداد النفسي والتربوي للأطفال لمحاكاة هذا المجتمع والتعامل معه بذكاء التجربة ليس بنظريات الكتب، فالذين اختاروا الانعزال التام هروباً من ضجيج الفضول، فقد وقعوا في فخ العزلة التي قد تحرمهم من مهارات التأقلم والحل ليس في إغلاق الأبواب نهائياً، بل في وضع (فلتر) اجتماعي؛ يسمح بمرور ما ينفع ويحجز ما يضر، وبذلك نحمي أنفسنا ونحمي أطفالنا من صدمة الواقع عبر تعليمهم مهارة المناورة الاجتماعية بدلاً من الهروب.
إن إعداد طفل ليكون ذكياً اجتماعياً يتطلب تعريضه لمواقف واقعية، وتعليمه أن العالم ليس مثالياً ويجب أن يتعلم الطفل متى يكون صريحاً، ومتى يكون دبلوماسياً، وكيف يفرق بين النقد البناء الذي يأتيه من شخص محب وبين الاستقصاء الذي يأتيه من شخص فضولي.
هنا نأتي للتأمل بنوعية المشاكل التي تأتي ضمن الحوارات اليومية ويمكن تعريفها بكونها مشاكل تافهة لأبعد الحدود نتيجة التقاء بالغين بعقل طفولي لم يفهموا معنى الذكاء الاجتماعي أو كيفية تسليك الأمور كما يفعل السباك حين ينظف الأنابيب المغلقة بسبب الأوساخ الراكدة وكم هي مهنة مهمة جداً فالحياة داخل البيوت تتوقف تماماً إذا توقفت عملية تصريف الماء الملوث، هنا يكمن بيت القصيد إذ أن الحياة تتوقف إذا لم يسلك الإنسان الأفكار الراكدة، الكلمات الجارحة والحوارات المستفزة التي يتلقاها الإنسان يوميا طوال عمره.
هذا لا يعني أن يسمح للآخرين بالانتقاص منه دائماً إنما تصنيف ما يجب الرد عليه وما يمكن تصريفه بتكبير العقل وممارسة التغافل الذكي لا تعني السذاجة، بل هي عملية انتقاء للمعارك التي تستحق استهلاك طاقتنا النفسية وكما يختار السباك الأداة المناسبة لكل انسداد، على الإنسان أن يختار الرد المناسب لكل شخص؛ فالسؤال المستفز يُرد عليه بابتسامة صامتة تنهي الحوار، والجهل يُقابل بالترفع.
إضافةً لتصنيف الناس وفقاً لأهميتهم فالغرباء والدائرة الأبعد أساساً لا يؤخذ بإطرائهم السلبي أما بالنسبة للدائرة الأقرب يتم تقسيمهم للمحب والمزح أو الحقود الذي ينتظر زلة الشخص لينتقص منه علناً، أما المحب فيأخذك من بين الزحام ويخبرك بهدوء وسرية في حال وجود مشكلة لم تنتبه لها.
إن العيش هو فن، خاصةً في مجتمعات مزدحمة والفن ليس في امتلاك أعلى الأصوات، بل في امتلاك أهدأ الأرواح وأكثر العقول مرونة لأن الحياة ستمضي والكلمات ستُقال لكن الفرق يكمن فيمن يسمح لتلك الكلمات بأن تركد في أعماقه لتسمم حياته، ومن يجيد تسليك مسارات فكره لتظل نقية، والتصنيف الواعي للبشر ليس حقداً بل هو خارطة طريق لسلامك الداخلي؛ فاعرف من يستحق الرد، ومن يستحق الصمت، ومن يستحق أن تبتسم له وتكمل طريقك وكأنك لم تسمع شيئاً.








اضافةتعليق
التعليقات