المرأة لها قدرات خارقة؛ إنها تستطيع أن تغيّر العالم إلى الجنة أو الجحيم. حتى أشقى رجال العالم خضع لكلام امرأة وكسر القوانين لأجلها:
﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
إن المرأة هي الداعم الأساسي للرجل، حيث نرى نجاح الرجال وتعاستهم في أكثر الأوقات يتعلقان بامرأة؛ ربما تكون هي الأم أو الأخت أو الزوجة… وهناك مصادر كثيرة منذ القدم إلى يومنا هذا تؤكد هذه الحقيقة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. لذلك من الجلي أن نشير إلى جمال وجود امرأة لها دور أساسي في نشر الإسلام وطلوع فجره، حيث إنها كانت السند والملجأ لأعظم الخلق، نبينا الكريم محمد (صلى الله عليه وآله).
ذكر ابن الجوزي عن عائشة: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة (عليها السلام) فيحسن عليها الثناء. فذكرها يوماً من الأيام فأدركتني الغيرة، فقلت: هل كانت إلا عجوزاً قد أخلف الله لك خيراً منها؟ قالت: فغضب حتى اهتزّ مقدم شعره من الغضب، ثم قال:
«لا والله، ما أخلف الله لي خيراً منها؛ لقد آمنت إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل أولادها إذ حرمني أولاد الناس».
قالت: فقلت بيني وبين نفسي لا أذكرها بسوء أبداً.
كانت أول امرأة تدخل في الإسلام، وهذا الإيمان المبكر منح الدعوة قوة نفسية عظيمة في بدايتها؛ لأنها كانت ذات شأن ورفعة بين الناس. كانت تُلقب بالطاهرة لعفافها وسمعتها الحسنة بين قومها.
يذكر المؤرخ محمد بن إسحاق في كتابه السيرة النبوية أنها كانت «امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه».
سيدة قريش، سلام الله عليها، اشتهرت بالأمانة وحسن المعاملة، فلم يكن نجاحها قائماً على الاحتكار أو الظلم. كانت تختار الأمناء للعمل معها، مما يدل على حسن إدارتها. كانت من أبرز تجار قريش، تدير أموالها وترسل قوافلها إلى بلاد الشام. دعمت الدعوة الإسلامية بمالها بعد البعثة، فأنفقت بسخاء في سبيل الله، خاصة في فترة الحصار في شعب أبي طالب.
إن المرأة عندما تثق بالرجل تضحي بنفسها وكل ما لديها لأجله، هكذا أثبتت سيدتنا خديجة موقفها الشامخ وإدراكها وحكمتها لأدق التفاصيل، وبيّنت للبشرية أثر الإيمان والخضوع لأوامر الله سبحانه وتعالى ولرسالة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله.
فقد كسبت قلب النبي صلى الله عليه وآله، وحصلت على مكانة عظيمة وفريدة تختص بها، كما قالت أم سلمة: فلما ذكرنا خديجة بكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: «وأين مثل خديجة؟ صدقتني حين كذبني الناس، وأعانتني على ديني ودنياي بمالها».
لذلك إنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ وكما في التاريخ ـ أطلق على العام الذي توفيت فيه السيدة خديجة وأبو طالب (عليهما السلام) «عام الحزن».
ما مدى حبه لها ليقول صلى الله عليه وآله: «أحبّ من يحبّ خديجة»، حيث يبين مكانتها الخاصة وتميزها عنده، وتارة يبين مدى حبه لها وتأثيرها في روحه المباركة ليكون أكثر شاعرية ويقول: «أحببتها من أعماق فؤادي، ولم يرزقني الله زوجة أفضل من خديجة أبداً».
هكذا هي قوانين الله عز وجل: ﴿مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾…
﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾…
﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
قدمت سيدتنا خديجة، سلام الله عليها، كل ما لديها بإخلاص، وضاعف الله عز وجل هذا الإحسان بأفضل صورة، فقد رزقها الكوثر المباركة. تلك الحبات التي قدمتها بإخلاص لأجل نشر الإسلام ملأت الكون، واليوم كلما يُرفع صوت الأذان في البلاد لها الأجر في ذلك، وهي شريكة النبي (صلى الله عليه وآله) في نشر الجمال في الكون، وستنتهي هذه السنابل إلى ظهور قائمهم الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً.
هكذا يجازي الله عز وجل صبر المرأة وكفاحها وتضحياتها، ليبين: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾.








اضافةتعليق
التعليقات