في تلك البقعة المباركة حيث الروايات الشريفة تحثّ على زيارتها والتواجد فيها، وطأت امرأةٌ من نور أقدامَها الشريفة، ورقدت بسلام لتجعل هذه البقعة مباركة تشعّ بالنور والألطاف الربانية، وتصبح مهدًا للعلم والعلماء ينشرون العلوم الدينية ببركتها وألطافها.
السيّدة الجليلة التي من نظرتها الحانية تخرج آلاف القلوب مطمئنّة من حرمها بعد أن يئست من الدنيا وما فيها، ولكن عرفت أنّها هي الملجأ والأمان.
تلك العزيزة التي قال في حقّها باب الحوائج موسى بن جعفر (عليه السلام):
"فداها أبوها"، عندما كانت في عقدها الأوّل، حيث نُقل عن المرحوم السيّد نصر الله المستنبط عن كتاب *كشف اللآلي* لابن العرندس الحلّي (المتوفّى حدود سنة 830 هـ)، أنّ جمعًا من الشيعة دخلوا المدينة يحملون بحوزتهم عدّة من الأسئلة المكتوبة، قاصدين أحدًا من أهل البيت (عليهم السلام)، وصادف أنّ الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) كان في سفر، والإمام الرضا (عليه السلام) كان خارج المدينة. وحينما عزموا على الرحيل ومغادرة المدينة تأثّروا وأصابهم الغمّ لعدم ملاقاتهم الإمام عليه السلام وعودتهم إلى وطنهم وأيديهم خالية.
ولمّا شاهدت السيّدة المعصومة غمّ هؤلاء وتأثّرهم – وهي لم تكن قد وصلت إلى سنّ البلوغ آنذاك – قامت بكتابة الأجوبة على أسئلتهم وقدّمتها لهم. وغادر أولئك الشيعة المدينة فرحين مسرورين، والتقوا بالإمام الكاظم (عليه السلام) خارج المدينة، فقصّوا على الإمام (عليه السلام) ما جرى معهم، وأروه ما كتبته السيّدة المعصومة (سلام الله عليها)، فسرّ الإمام عليه السلام بذلك وقال: "فداها أبوها".
عن مولانا أنيس النفوس الإمام الرضا (عليه السلام) في فضل أخته: "مَنْ زارها عارفًا بحقّها فله الجنّة".
عبارة "عارفًا بحقّها" ليست كلمة بسيطة من الأخ في حقّ أخته، بل إنّه كلام من إمامٍ معصوم. "عارفًا بحقّها" مفتاح الرواية، لأنّ الثواب العظيم – الجنّة – لم يُعطَ لأجل الزيارة فقط، بل لزيارةٍ واعية تحمل معرفة حقيقية.
هي بنت باب الحوائج موسى بن جعفر، وأخت مولانا الرضا (عليه السلام)، ليست إنسانة عادية، بل عالمة، عابدة، فقيهة، مجاهدة، ومهاجرة في سبيل الله.
الحق يعني معرفة مكانتها عند الله، ومنزلتها عند أهل البيت (عليهم السلام)، ودورها في نصرة الدين.
هناك درجات في معرفتها: تارة تكون المعرفة سطحية جدًا، لأن الناس يزورونها، نزورها ولا نعرف من هي؟ وما هي فضائلها وكراماتها؟
وتارة تكون المعرفة أعمق، نعرف أنّها من أهل بيت العصمة والطهارة، وتحمل تلك الصفات الخاصة التي تختصر في هذه البيوت فقط عند الأئمة الأطهار (عليهم السلام).
تتصاعد مراتب هذه المعرفة حتى تبلغ أوجها، حين يتحوّل الزائر من مجرّد طالب حاجة إلى إنسان واعٍ يحمل رسالة، فيفهم أنّ هذه السيّدة الجليلة لم تكن مجرّد ابنة إمام أو أخت إمام، بل كانت امتدادًا حيًّا لخطّ الإمامة، ونورًا من أنوارهم، ودليلًا على أنّ مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) لا تقتصر على الرجال، بل تُخرِج نساءً بلغن من الكمال والعلم والعبادة ما يحيي القلوب ويهدي العقول.
حينئذٍ نغوص أكثر في معرفة "عارفًا بحقّها"، وندرك أنّها شدّت الرحال من المدينة إلى قم لغرض عقائدي عظيم، ولم تكن هجرتها رحلة عادية.
خرجت لتنصر إمام زمانها وأخيها، لتكون بلسَمًا لغربته.
إنّها ناطقة بالحق، والمضحّية التي تحمل يقينًا راسخًا لنشر الدين، لذلك زيارتها لا تُعدّ زيارة عادية، بل تعني الارتقاء والثواب العظيم، وتؤدّي إلى الجنّة. يخرج الزائر من حرمها المبارك بصفاء القلب وهمّة عالية، فيحمل قبسًا من نور تلك السيّدة الجليلة، وأثرًا من أخلاقها.
هذه البقعة المباركة أصبحت بسببها.
فطوبى لمن زارها عارفًا بحقّها، لا بقدميه فقط، بل بقلبه وعقله وروحه…
وطوبى لمن جعل من زيارتها بداية طريق، لا نهاية عادة… وطوبى لمن فهم أنّ القرب من أولياء الله ليس زيارة عابرة، بل التزام، وسلوك، واتباع.
فهل سنكون من هؤلاء؟
أم سنبقى عند حدود الزيارة دون أن نبلغ سرّها؟
هنا يبدأ الامتحان… وهنا يظهر صدق المعرفة.








اضافةتعليق
التعليقات