تواصل جمعية المودة والازدهار عقد جلسات مشكاة الحكمة النصف شهرية، لننهل من كنوز جامع السعادات سعياً لدمج العلم بالعمل والارتقاء الروحي إذ تتوجه بوصلة الجلسة الرابعة نحو الصفحات (58-67) للتأمل في فلسفة علم الأخلاق ومصير النفس البشرية من منظور فلسفي وعرفاني، وذلك عبر ثلاثة محاور رئيسية مستمدة من فصول الكتاب.
يناقش المحور الأول الأقوال في الخير والسعادة والتوفيق بينها، بينما يتناول المحور الثاني ضرورة التهذيب المستمر من خلال فصل لا تحصل السعادة إلا بإصلاح جميع الصفات والقوى دائماً وغاية السعادة التشبيه بالمبدأ. وأخيراً، يختتم اللقاء بالمحور الثالث الذي يدرس تفاعل النفس في فصل بإزاء كل واحدة من القوى الأربع لذة وألم، لنصل معاً إلى فهم أعمق لسبل كمال الإنسان وسعادته الأبدية.
المحول الأول: الأقوال في الخير والسعادة والتوفيق بينها
يوضح النص أن الهدف الأسمى من تزكية النفس وتخليصها من الرذائل هو الوصول إلى الخير والسعادة، وقد صنف الحكماء الأقدمون الخير إلى نوعين: خير مطلق وهو الغاية القصوى التي تتوق إليها جميع الكائنات متمثلة في الكمال المطلق، وخير مضاف وهو الوسيلة الموصلة لهذا الخير المطلق كالصحة والمال والتعلم، ويكمن الفرق بينهما في أن الخير ثابت لا يتغير بتغير الأشخاص بينما السعادة نسبية تختلف من شخص لآخر بحسب استعداده وقدرته على تحقيق كماله الخاص.
وحول طبيعة السعادة برز خلاف بين مدرستين حيث حصرت مدرسة الأقدمين السعادة في النفس الناطقة فقط واعتبرت الأخلاق الفاضلة هي السعادة الحقيقية مستبعدة البدن لكونه مجرد آلة، في المقابل ذهبت مدرسة المتأخرين كأرسطو وأتباعه إلى أن السعادة تتعلق بالشخص المركب من نفس وبدن معاً؛ مبررين ذلك بأن الأفعال الجميلة والفضائل يصعب تحقيقها دون الاستعانة بوسائل مادية كاليسار والأعوان.
تحت عنوان الأقوال في الخير والسعادة والتوفيق بينها قسّم أرسطو السعادة إلى خمسة مجالات تتمثل في صحة البدن، وامتلاك الوسائل والمال، وحسن السمعة والثناء، ونجاح المقاصد، وفضائل النفس من حكمة وأخلاق، مؤكداً أن كمال السعادة يتوقف على اجتماع هذه المجالات الخمسة وفي المقابل أشار النص إلى السعادة الوهبية كمرتبة عليا من السعادة المحضة التي يفيضها الله تعالى على عباده كإشراقات عقلية ومواهب لدنية دون أسباب مادية ظاهرة.
وحول توقيت نيل السعادة العظمى، رأى الأقدمون أنها لا تتحقق إلا بمفارقة البدن والتخلص من الشواغل المادية والظلمة الهيولانية بينما جزم أرسطو بإمكانية تحقيقها في الحياة الدنيا عبر استكمال الفضائل ومجاهدة النفس، معتبراً أن الموت لا يزيدها إلا بقاءً وقد وفق حكماء الإسلام بين هذه الآراء مبينين أن السعادة في الدنيا تتطلب الجمع بين الروح والبدن وفق مراتب؛ تبدأ بمرتبة أدنى تغلب فيها السعادة البدنية مع وجود الشوق للكمالات النفسية وتصل إلى مرتبة قصوى يتركز فيها الفعل والشوق على الكمالات النفسية مع تدبير أمور الدنيا بالعرض لتنحصر السعادة بعد الموت في الجوانب النفسية والروحية فقط نتيجة استغناء النفس عن المادة.
كما يرى المصنف أن سعادة المفارقين أي الأموات تتجرد من الشوائب البدنية وتتمثل في الملكات الفاضلة، والعلوم اليقينية، ومشاهدة الجمال الإلهي الأزلي ويكمن الفرق بين سعادة الدنيا والآخرة في أن الأولى ناقصة وكدرة لاختلاطها بالزخارف الحسية بينما الثانية تامة وصافية ينغمس فيها صاحبها في بحر العظمة الإلهية دون خوف أو رغبة مادية.
وفي تحديده للرأي المختار، يرجح المصنف رأياً يوفق فيه بين أرسطو والأقدمين حيث يعتبر الصحة والمال سعادة إضافية ووسائل مساعدة بشرط أن تكون آلة لتحصيل السعادة الحقيقية المتمثلة في القرب من الله تعالى، أما إذا كانت عائقاً عن الآخرة فتُعد شقاءً ويؤكد أخيراً في بيانه لحقيقة الانكشاف أن النفس ما دامت في سجن البدن لا يمكنها إدراك الحقائق انكشافاً تاماً وإن حصل ذلك لبعض المتجردين فهو مجرد وميض كالبرق الخاطف.
المحور الثاني: لا تحصل السعادة إلا بإصلاح جميع الصفات والقوى دائما وغاية السعادة التشبيه بالمبدأ
لا تحصل السعادة إلا بإصلاح جميع الصفات والقوى دائماً وغاية السعادة التشبيه بالمبدأ، إذ يوضح المؤلف أن ثمرة المعارف الحقة والأخلاق الطيبة تتجسد في بلوغ غاية الغايات ألا وهي حب الله تعالى والأنس به والتمتع باللذات الروحانية.
وفي هذا السياق، يوفق المصنف بين رؤى ثلاث مدارس؛ حيث حصر أهل النظر السعادة في العقل والعلم، وأهل الكشف في العشق الإلهي، بينما حصرها أهل الظاهر في الزهد وترك الدنيا، ويؤكد النص كشرط أساسي أن السعادة لا تتجزأ، بل تستوجب إصلاح جميع القوى والصفات باستمرار وثبات فالسعيد المطلق هو الصامد الذي لا تغيره الأحوال أي هو الشاكر في المحن الذي لا يتزعزع يقينه بالشبهات وتسمو نفس هذا السعيد الواقعي لتتعالى عن المادة وتتجرد من المؤثرات الطبيعية والفلكية حتى تبلغ في قوتها حد الولاية التكوينية والتصرف في الكائنات. وعلى العكس من ذلك، يُعد الجزع عند المصائب الدنيوية والاضطراب للكدورات الطبيعية مقياساً جلياً يدل على النقص في كمال الإنسان وسعادته.
ويؤكد أن حقيقة السعادة لا تتحقق بمجرد التكلف أو التظاهر بالصبر والرضا فمن يتألم باطناً ويُظهر الصبر خارجاً ليس سعيداً حقاً بل تكمن السعادة في صيرورة الأخلاق الفاضلة مَلكات راسخة في النفس لا تتغير ولا تتأثر بتغير الظروف، وقد صرح الحكماء بأن الغاية القصوى وذروة السعادة تتجلى في التشبه بالمبدأ (عز وجل) ويتحقق ذلك عبر صدور الأفعال الجميلة لذات الحُسن لا لغرض نفعي أو خوف وتطهير النفس من الخبائث الحيوانية لتسمو وتصبح عقلاً محضاً بحيث يكون فعل الإنسان هو غرضه بعينه تماماً كما يصدر الجميل عن الله تعالى لصرافة جماله ويختتم المصنف هذا المبحث بملاحظة دقيقة، مبيناً فيها أن هذا الرأي الفلسفي القائل بالتشبه بالمبدأ يستدعي التأمل والمراجعة، نظراً لمخالفته لبعض ظواهر الشرع.
المحور الثالث: فصل بإزاء كل واحدة من القوى الأربع لذة وألم
يوضح النص ارتباط اللذة والألم بكل قوة من قوى الإنسان الأربع؛ فالقوة العقلية لذتها في العلم والمعرفة وألمها في الجهل، والقوة الغضبية لذتها في الغلبة والرياسة وألمها في المغلوبية، والقوة الشهوية لذتها في نيل الغذاء والجماع وألمها في الحرمان كالجوع والعطش، بينما تكمن لذة القوة الوهمية في إدراك الصور الجزئية الملائمة.
ويؤكد المؤلف أن النفس هي الملتذة والمتألمة حقيقةً لكن بواسطة هذه القوى، ويبرز أفضلية اللذة العقلية بوصفها الأقوى لكونها ذاتية وفعلية لا تزول بخلاف اللذات الحسية التي تُعد عرضية وانفعالية وتؤول إلى الاضمحلال. وفي هذا السياق، ينتقد بشدة من يحصرون السعادة والشقاء في اللذات والآلام الحسية البحتة كالأكل والحور، والنار والعقارب، واصفاً عبادتهم بعبادة الأجراء والعبيد الذين تخلوا عن لذات دنيوية لينالوا لذات أخروية من نفس النوع وفي المقابل، يستشهد بقول الإمام علي (عليه السلام): "إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك..."، ليؤكد أن السعادة الحقيقية تكمن في حب الله تعالى والأنس به لا في الشهوات البدنية.
كما يشير إلى دونية اللذة الحسية التي يشترك فيها الإنسان مع الدواب والحشرات بينما يشابه الملائكة في بصيرة الباطن ويتعجب من التناقض البشري لمن يعظمون الزاهدين والمتنزهين عن الشهوات بينما يعتقدون في قرارة أنفسهم أن اللذة محصورة في الحسيات، مفسراً ذلك ببقاء غريزة العقل لديهم التي تحكم بفضل التنزيه قهراً، ويختتم ببيان حقيقة اللذات البدنية، موضحاً أن البديهة تحكم بأنها ليست خيراً حقيقياً، بل هي مجرد دفع لآلام كألم الجوع أو راحة من تعب، والراحة من الألم ليست كمالاً لأن الكمال الحقيقي هو الخير الباقي لذاته.
وبالنسبة لنصيحة المؤلف حول إيقاظ الموعظة يوضح مبدأ المحاكاة حيث يقف الإنسان في برزخ بين العوالم تتحدد مرتبته بحسب القوة الغالبة عليه؛ فغلبة الشهوة تلحقه بالبهائم، وغلبة الغضب تنزله منزلة السباع، وغلبة المكر تدخله حزب الأبالسة، بينما تعرج به غلبة القوة العقلية إلى أفق الملائكة.
وبناءً على ذلك، يقرر قاعدة الاعتدال المتمثلة في حصر الهم بالسعادة العلمية والعملية، والتعاطي مع الضرورات البدنية بقدر الحاجة لسد الألم وحفظ النوع فقط، محذراً من الانهماك في الشهوة والغضب المؤدي إلى الشقاوة الدائمة، ويدعو للمبادرة بتهذيب النفس قبل الكبر حيث ترسخ الملكات ويصعب التغيير، فاتحاً في الوقت عينه باب الأمل بتجربة ابن مسكويه الذي جاهد نفسه وتداركها بعد الكبر ويشبه الحكماء من يهمل سياسة نفسه بمن يلقي ياقوتة في النار لتستحيل رماداً. ويطرح المصنف قاعدة دقيقة حول فوات الكمال، مبيناً أن التوبة تعيد للنفس صفاؤها السابق كالمصقلة التي تزيل الصدأ عن المرآة لكنها تحرمها من نور الترقي الذي كان سيتحقق لو بقيت نقية بلا خطيئة ويختم ذلك مستنداً للحديث النبوي: "من قارف ذنباً فارقه عقل لم يعد إليه أبداً"، إشارةً لضياع فرصة الكمال التي فُقدت بالذنب.


اضافةتعليق
التعليقات