تتجدد اللقاءات المعرفية في رحاب جلسات مشكاة الحكمة، التي تعقدها جمعية المودة والازدهار مرتين كل شهر، لننهل معاً من كنوز كتاب جامع السعادات، إن مسعانا في هذه الجلسات يتجاوز حدود القراءة التقليدية للنصوص، ليمثل محاولة جادة للفهم المعمق والتأمل الدقيق، بغية الوصول إلى منهج سلوكي ينسجم فيه العلم مع العمل، ونربط من خلاله تراث أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بمسيرة الارتقاء الروحي للإنسان.
وبعد أن خصصنا اللقاء الماضي للغوص في سيرة مؤلف الكتاب وتأمل رحلته الفريدة في هذا التصنيف، تأتي جلستنا الثانية لتسلط الضوء على الصفحات (47-57)،وسنتباحث فيها حول فلسفة علم الأخلاق من منظور يمزج بين الرؤيتين الفلسفية والعرفانية، كاشفاً عن الروابط العميقة بين حقيقة النفس البشرية ومآلها الأبدي، وسنتناول هذا الموضوع عبر ثلاثة محاور رئيسية:
المحور الأول/ فصل تأثير التربية على الأخلاق
عرّف المؤلف ماهية الخُلق هو ملكة نفسانية أو صفة راسخة وبطيئة الزوال تجعل الأفعال تصدر عن الإنسان بسهولة دون الحاجة إلى تفكير عميق، وهو يختلف عن الحال الذي يُعد صفة سريعة الزوال، و ينشأ الخُلق إما بسبب المزاج أو الطبيعة الجسدية والنفسية، أو العادة من خلال تكرار الفعل، أو التكلف عبر إجبار النفس على الفعل حتى تعتاده ويصبح سهلاً، وكان رأي المتأخرين أن الأخلاق جميعها قابلة للتغيير وحجتهم في ذلك مبنية على المشاهدة أو تأثر الإنسان بأقرانه والأدلة النقلية سواء كانت الآيات والأحاديث التي تحث على تزكية النفس ويؤكدون أنه لو كانت الأخلاق ثابتة، لبطلت فائدة الشرائع، والسياسات، والتأديب، أما الفئة الأخرى التي اعترضت على الرأي الأول بأن بعض الصفات خاصة القدرات العقلية كالذكاء وقوة الحفظ لا تقبل التغيير مهما اجتهد الإنسان ويُرد على ذلك بأن عدم قبول بعض الأخلاق للتغيير لا يبطل علم الأخلاق والشرائع تماماً كما أن وجود أمراض مستعصية لا يُبطل علم الطب.
الرأي القائل بالمنع، والرأي المُفصّل الراجح: تستكمل صفحة 48 عرض الآراء وتناقش الرأي المعارض لتغيير الأخلاق ثم تخلص إلى الرأي الراجح الذي يجمع بين الأدلة، إذ أن الرأي الثاني يرى أن الأخلاق تابعة للمزاج والمزاج لا يتبدل، مستدلين ببعض الأحاديث النبوية (مثل: الناس معادن...)، والرد على الرأي الثاني بأن النفوس البشرية تُخلق في الأصل خالية من الأخلاق كالصفحة البيضاء وما تكتسبه يكون قابلاً للزوال والحديث الذي استدلوا به يثبت في الحقيقة إمكانية تغيير الخُلق بالتأديب ولكنه يحذر من أن ترك التأديب يعيد الإنسان لطبيعته الأولى، والرأي الثالث أي التفصيل وهو القول الراجح الذي قٌسم إلى قسمين:
1) أخلاق قابلة للتغيير: وهي الأغلبية، والدليل على ذلك إمكانية ترويض الحيوانات البهيمة كالفرس والكلب، فالإنسان أولى بالقدرة على الترويض والتغيير.
2) أخلاق غير قابلة للتغيير: وهي صفات متعلقة بالقوى العقلية الفطرية كالذكاء، وهذه غير مكلف بتغييرها شرعاً.
3) التفاوت بين البشر: يؤكد النص أن الناس يختلفون في سرعة وسهولة تغيير أخلاقهم، ولا يوجد شخصان متطابقان تماماً في جميع الأخلاق.
تُصحح هذه الصفحة (49) مفهوماً خاطئاً حول معنى تغيير الأخلاق، وتوضح الجانب التطبيقي والتربوي لذلك من خلال طرح عدة أفكارة، أولاً: مفهوم التغيير (الوسطية لا الاستئصال) أي التغيير الأخلاقي لا يعني القضاء المبرم على الغضب والشهوة، فهما صفتان مخلوقتان لضرورة بقاء الإنسان لأن الغضب لدفع الأذى والجهاد، والشهوة للبقاء والنسل، بل التغيير يعني إرجاع هذه الصفات من حالتي الإفراط والتفريط إلى حالة الاعتدال والوسطية من خلال توجيه الغضب ليصبح شجاعة وحمية في الحق دون تهور أو جبن.
ثانياً: إمكانية التعديل بالرياضة النفسية كما يشبهه المؤلف بأن القوى النفسية بالنواة التي تمتلك القوة لتصبح نخلة بشرط التربية وحتى الغضب والشهوة يمكن تعديلهما وتوجيههما بالرياضة والمجاهدة التي تقع ضمن اختيار الإنسان.
ثالثاً: أهمية التربية المبكرة والشرائع إذ يختلف قبول التغيير باختلاف الأشخاص ومستوى التأديب فالأطفال هم الأسهل في قبول التغيير وتعديل الأخلاق لأن نفوسهم خالية من العادات السيئة المانعة لذا يجب على الآباء المبادرة بتأديبهم باعتماد مصادر التأديب المذكورة وهي (المؤدب الأول والأعظم هو الناموس الإلهي -الشرائع الربانية-، يليه الحكماء وأهل المعرفة الذين يوجهون الناس بالمواعظ والحِكم).
المحور الثاني/ شرف علم الأخلاق لشرف موضوعه وغايته
يؤكد المؤلف في الصفحة (50) أن علم الأخلاق هو أشرف العلوم وأنفعها لأن شرف أي علم يقاس بشرف موضوعه أو غايته، فكما أن علم الطب أشرف من صناعة الدباغة لأن موضوعه بدن الإنسان لا جلود الحيوانات فإن علم الأخلاق أشرف لأن موضوعه النفس الناطقة التي تمثل حقيقة الإنسان وجوهره كون النفس الإنسانية أشرف الموجودات في عالم الكون لقدرتها على الارتقاء من أدنى المراتب إلى أعلاها، وتتلخص غاية هذا العلم هي إكمال النفس الإنسانية وإيصالها إلى أعلى درجات الكمال، حيث يمتد أفق الإنسان من مرتبة البهائم في أدنى حالاته إلى مرتبة الملائكة في أعلى كمالاته، لذلك يوجد تفاوت كبير بين البشر، فقد يكون بعضهم في أدنى المراتب الأخلاقية بينما يبلغ بعضهم أعلى درجات الكمال والفضيلة.
ويرجع سبب هذا التفاوت أساساً إلى اختلاف الأخلاق والصفات النفسية وليس إلى اختلاف الأجسام لأن جميع البشر يشتركون في الجسد، وعلم الأخلاق هو الوسيلة التي ترتقي بالإنسان من البهيمية إلى المرتبة الملكية وتحقق له كمال الإنسانية ولهذا كان الحكماء في العصور السابقة يعدّون هذا العلم أساس العلوم ويسمونه الإكسير الأعظم ويجعلونه أول ما يُتعلم قبل غيره من العلوم لأن العلم بلا تهذيب أخلاقي يزيد الإنسان فساداً كما أن البدن المريض إذا أُكثِر من غذائه ازداد مرضه، لهذا قد يظهر بعض من ينتسبون إلى العلم وهم شديدو الحرص على المال، يطلبون الجاه والمنصب، مولعون بالجدال والمراء، متهاونون بتعاليم الدين، هؤلاء يمثلون مثالاً للعالم الذي لا يعمل بعلمه وهو من أخطر الناس، كما جاء في الحديث: "قصم ظهري رجلان: عالم متهتك وجاهل متنسك". يعود ذلك إلى إهمال تهذيب الأخلاق وعدم السير وفق تعاليم الشريعة والحكمة الحقيقية.
المحور الثالث/ النفس وأسماؤها وقواها الأربع
ذكر المؤلف أن النفس هي جوهر روحاني ملكوتي يستخدم البدن كأداة لتحقيق أفعاله وهي في الحقيقة ذات الإنسان وحقيقته، بينما الجسد وأعضاؤه مجرد آلات لها، كما أن للنفس أسماء بحسب الاعتبار، الروح لأنها سبب حياة البدن، العقل لأنها تدرك المعقولات، القلب لأنها تتقلب بين الخواطر والأحوال، إضافةً إلى القوى الأربع للنفس،(1-القوة العقلية-الملكية وظيفتها هي إدراك الحقائق، التمييز بين الخير والشر، توجيه الإنسان إلى الفضائل، النهي عن الصفات المذمومة) 2- (القوة الغضبية-السبعية التي تنشأ عنها صفات تشبه السباع كالغضب، العدوان، الإيذاء لكن وجودها ضروري لضبط بعض القوى الأخرى) 3- القوة الشهوية-البهيمية التي مصدرها الشهوات الجسدية كالأكل والشرب والجماع وهي ضرورية لبقاء البدن لكنها قد تقود إلى الانحراف إذا لم تضبط) 4- القوة الوهمية-الشيطانية التي وظيفتها إدراك المعاني الجزئية وابتكار الحيل والمكر والخداع للوصول إلى الأهداف، ويمكن استعمالها في الخير إذا خضعت للعقل أو في الشر إذا خضعت للشهوة والغضب.
العلاقة بين القوى الأربع: توجد هذه القوى في الإنسان في حالة صراع دائم، ويعتمد سلوك الإنسان على القوة الغالبة بينها وقد شبّه الحكماء اجتماع هذه القوى في الإنسان باجتماع أربعة عناصر (العقل أي الملك أو الحكيم، الغضب أشبه بالكلب، الشهوة أشبه بالخنزير، الوهم هو كالشيطان) فإذا حكم العقل هذه القوى ساد العدل في النفس واعتدلت الأخلاق أما إذا سيطرت القوى الأخرى يصبح الإنسان عبداً للشهوة أو الغضب أو الخداع ويقع في الهلاك والشقاء، كما شبهت هذه الحالة براكب يمتطي دابة ومعه كلب ومرشد خائن، فالراكب هو العقل، والدابة هي الشهوة، والكلب هو الغضب، والمرشد الخائن هو الوهم، فإذا قاد العقل الجميع وصل إلى الهدف، وإلا وقع في الضلال.
حالات النفس الثلاث: النفس تتصف بثلاث حالات رئيسية بحسب سيطرة القوى:
1. النفس المطمئنة عندما يسيطر العقل على بقية القوى فتخضع الشهوة والغضب للوحي والعقل وتسكن النفس في طاعة الله تعالى.
2. النفس اللوامة عندما يحدث صراع بين العقل وبقية القوى فتقع النفس في الخطأ لكنها تندم وتلوم نفسها.
3. النفس الأمارة بالسوء عندما تسيطر الشهوات والميول ويضعف سلطان العقل فتصبح النفس داعية للشر.
الإنسان جامع العوالم: الإنسان يتميز عن بقية المخلوقات بأنه يجمع خصائص عوالم متعددة، إذ تتوزع الخصائص بين المخلوقات لتحدد طبيعتها وهويتها؛ فالملائكة قوامها العقل الخالص والشياطين يحركها الوهم بينما تتغلب قوة الغضب على السباع وتسيطر الشهوة على البهائم، وفي قلب هذا التباين يقف الإنسان بقدرة استثنائية تجعله قادراً على بلوغ مراتب تفوق الملائكة إذا استطاع إخضاع شهواته وغضبه لسلطان عقله أو الانحطاط إلى دركات أدنى من الحيوانات إذا استسلم لانقياد شهواته.
وهذا المعنى يتجلى بوضوح في القول المأثور عن الإمام علي (عليه السلام) "حين بيّن أن الله عز وجل ركّب في الملائكة عقلاً بلا شهوة، وركّب في البهائم شهوة بلا عقل، بينما ركّب في الإنسان كليهما، فمن غلب عقله شهوته كان خيراً من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله كان شراً من البهائم".
لرسم طريق كمال النفس الإنسانية، لابد من إدراك الطبيعة المزدوجة للإنسان فهو يتنازعه جانبان: جانب جسماني يربطه بعالم المادة، وجانب روحاني يسمو به نحو العالم العلوي، وعندما يسلك الإنسان طريق تهذيب نفسه متخلصاً من أسر الشهوات والعلائق الدنيوية ساعياً لاكتساب الفضائل والمعارف فإنه يبدأ رحلة الارتقاء التدريجي ويثمر هذا الارتقاء اتصالاً حقيقياً بالعالم الروحي وأُنساً خالصاً بالله تعالى وتلقياً لأنوار الحكمة الإلهية، في هذه المرحلة الراقية تنجلي عن الإنسان سحائب الهموم والآلام ليغدو فرحه الحقيقي مستمداً من المعرفة الإلهية غير ملتفتٍ إلى زخارف الدنيا ومغرياتها إلا بمقدار الضرورة وإذا ما بلغ السالك هذه المرتبة العليا فإنه يتوج بتلك السعادة الأبدية التي عبر عنها القرآن الكريم بقوله تعالى: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ).
وخلاصة القول، يتربع علم الأخلاق على عرش العلوم لكونه الأداة الفاعلة في تهذيب النفس الإنسانية والتي تمثل جوهراً روحانياً وحقيقة الإنسان الكبرى إذ تتنازع هذه النفس أربع قوى رئيسية، وهي: القوة العقلية، والغضبية، والشهوية، والوهمية، وما سلوك الإنسان إلا انعكاس للقوة الغالبة والمحركة له، بناءً على ذلك، تتقلب النفس بين ثلاث حالات متباينة: مطمئنة، أو لوامة، أو أمارة بالسوء وبما أن الإنسان جامع لصفات الملائكة والحيوانات والشياطين فإن كماله الحقيقي لا يتحقق إلا حينما تخضع قوى الغضب والشهوة والوهم للقيادة الحكيمة للعقل ليرتقي حينها إلى أعلى درجات الكمال الروحي.








اضافةتعليق
التعليقات