• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

دخول سينمائي إلى ذاكرة الدراسات الدولية

مريم حميد الياسري / الأثنين 08 حزيران 2026 / تطوير / 677
شارك الموضوع :

وقد ترك في نفوس طلبته ما هو أثمن من ذهب الكلام وفضة المعنى

أول وأهم درس في مادة طرائق التدريس هو دخول المعلم، المدرس، الأستاذ، أيًّا كانت صفته أو وظيفته التعليمية، إلى قاعة العلم. فأقول إن دخول المعلم (بدءًا من معلم الابتدائية وحتى الأستاذ الجامعي) لأول مرة على طلبته مهم جدًا، مثل دخول الممثل على المسرح للمرة الأولى، الذي يساهم بنسبة ما في تحديد نجوميته من عدمها.

فالدخول الأول هو بطاقة تعريفية تُسجل في ذاكرة الطالب الذي قد ينسى ماذا تناول في عشاء البارحة، أو غداء اليوم، أو ينسى اسم جده الخامس، وقريباته من الدرجة الثالثة، إلا دخول أستاذه للمرة الأولى إلى قاعة العلم التي يتواجد فيها.

وحديث الأستاذ لأول مرة حديث مهم لا يقل أهمية عن حديث الممثل الذي يظهر على المسرح لأول مرة، أو عن الحديث الذي يجريه صحفي ناشئ لأول مرة.

وفي أول أيام الفصل الأول، والزملاء بانتظار إطلالة أستاذ مادة (قضايا النظام الدولي)، دخل علينا رجل دخولًا سينمائيًا غريبًا وسريعًا، لم أتبين ملامحه التي أخفتها الكمامة. كنت منحنية على بعض الأوراق أكتب حين دخل الرجل، فأشرأبت أعناق القاعة كلها نحوه، وأخذت تراقبه حتى وصل إلى المنصة بخطى سريعة. ألقى التحية وقدم نفسه. كنت قد رفعت نظري لأراه حين دخل القاعة، لكن تربيتي الصارمة التي تحتم علي غض البصر وعدم النظر إلى رجل جعلتني أعود وأخفض رأسي بسرعة قبل أن أتعرف على ملامحه أو لغة جسده، فعدت إلى أوراقي.

وبدأ همس الزملاء يتسلل إلى أذني، إذ شرعوا بتفسير شخصيته عبر إطلالته الأولى، فقال أحدهم: ابن شيوخ، وقال الآخر: هارب من نظرية الكاريزما، هذا لكثرة ما قرأ عن نظرية الكاريزما تشبع بها فظهرت على وجهه، ولا لغة الجسد لديه تعكس لغة أهل المنطقة الجغرافية التي يعيش فيها.

يا ربي، لِمَ الزملاء يتساءلون؟

رفعت رأسي عن الأوراق وفوجئت بحضور طاغٍ، ووسامة تذكر بكلارك غيبل، بطل الفيلم السينمائي الأشهر (ذهب مع الريح 1939م)، وكاريزما منقطعة النظير تذكرني بموقف حدث لي مع الممثل الفرنسي آلان ديلون. كنت يومها أقطع الطريق من المطبخ مرورًا بغرفة المعيشة إلى إحدى الغرف، وكان إخوتي قد اجتمعوا لمشاهدة برنامج ما، وبسبب التعب الذي كنت أحس به يومها قررت ألا أتابع معهم البرنامج، لكن هناك عيون استوقفتني وقاطعت خطواتي حين رفعت رأسي ونظرت إليها. كانت عيون آلان ديلون وقد تجاوز الثمانين من عمره في حديثه مع منى الشاذلي. لا يفعل شيئًا، رجل يجلس على كرسي وهو في الثمانين، فما هذه الجاذبية التي أوقفتني؟ الأمر ذاته مع د. أحمد عبد الأمير الأنباري؛ خطوات سريعة لفتت انتباه قاعة تضم قسمي الدراسات الدولية والنظم السياسية.

ومنذ الوهلة الأولى أحس الجميع بمهابته المخيفة وجديته الحازمة التي تجعل الطالب يحذر أداته التدريسية حتى يتعرف على جانبه الإنساني، فيضمن العدل والرحمة. وهو مثال لبيت الفرزدق القائل:

سَهْلُ الخَلِيقَةِ لا تُخْشَى بَوَادِرُهُ

يَزِينُهُ اثْنَانِ: حُسْنُ الْخُلُقِ وَالشِّيَمُ

التدريسي العالم الواثق من نفسه، الذي يريد أن ينقل هذه الثقة إلى تلاميذه، ذو رؤية بعيدة في التعليم، متمكن من أدواته النفسية في التعامل مع الطالب، مع خلقه الإنساني الذي أشرت إليه. فرؤيته البعيدة تهدف إلى تثقيف الطالب على كافة الأصعدة المتعلقة بالعلوم السياسية عبر سياسة ناعمة.

فمثلًا، في كل أسبوع كان يكلف طالبًا بأن يحضر في الأسبوع القادم الجذر اللغوي للكلمة، أو أي المصطلحين هو الأصح في الكتابة العلمية من مصدر موثوق، مثلما كلفني: أيهما الأصح (يعد أم يعتبر)؟ وقد لجأت وقتها إلى الدكتور علي حسين يوسف الذي زودني بالحجة أيضًا، فقبلها الدكتور.

كذلك أيضًا كيفية أخذ الإحصائيات الدقيقة من موقع البنك الدولي، وكيفية عمل الإحصائيات لمعرفة الناتج المحلي، ومعاني بعض مفردات الإحصاء. ووجّه بضرورة أن يعرف كل طالب تسلسل رؤساء الدول التي تمثل القوة العظمى، ومعرفة نبذة عن السيرة الذاتية لكل منهم وسياساته.

كانت محاضراته درسًا في شحذ الأفكار، وإيقاظ الذهن، والسعي إلى المعلومة مع تقديس قيمتها، والدقة في كل تصرف.

ومن ذكرياتي مع المحاضرة الأولى أنني كُلفت أنا وزميلي عباس، الذي أناديه دائمًا أخي عباس، بكتابة ورقة بحثية نقدمها في الأسبوع القادم مناصفة. وقد فعلنا، وكنا يومها مبتدئين لم نتعلم بعد كيف ننظم كتابة الهامش، أو ننضد ورقة البحث ونضبط فنياتها.

تقدم أخي عباس أولًا لتقديم ورقته البحثية، فسأله الدكتور:

* هل ستقرأ من الورقة أم تشرح دون النظر إليها؟

فأجاب عباس:

* سأقرأ من الورقة.

هنا أجاب الدكتور بالجواب الصادم لنا جميعًا، وهو أول درس في الأستاذية، وقد سمعته من قبل من أمي ولم أستوعبه:

* سينقص من درجتك، فالأستاذ يشرح دون عودة إلى الأوراق.

فلما جاء دوري وسألني السؤال ذاته قلت:

* لا، أنا سأقدم شرحًا دون النظر إلى الورقة.

وفعلًا اعتليت المنصة وأنا أرتجف من مهابة الدكتور ودقته، ولأن زملائي لا يستهان أبدًا بمستواهم العلمي والثقافي في الشأن الدولي، وكلهم متابع دقيق.

أخفيت يدي وراء ورقتي حتى لا يلاحظ أحد ارتجافهما، ومنّ الله عليّ أن بقي الدكتور واقفًا على بعد مترين من المنصة، أي بمحاذاتي، فلو جلس بين الطلبة كما يفعل بعض الأساتذة لزاد ارتباكي.

أكملت تقديمي وفوجئت بثنائه عليّ. ظننت أنه يشجعني أو عطف على ارتباكي، لكن استمر ثناؤه على تقديمي طيلة الفصل الأول، وطلب من زملائي الاطلاع على ورقتي للاستفادة منها.

معقول؟ لكن الورقة فيها الكثير من الأخطاء، ولم أعرف كيف أوثق المصدر في الهامش.

يوم تسليم الأوراق البحثية كنت آخر من يسلم ورقته. وضعتها على المنصة، ووضعت يدي عليها، وخاطبت الدكتور بصوت خافت:

* دكتور، ارتكبت حماقة في البحث.

فأجاب:

* لا، حاشاك، ما الأمر؟

فتحت الورقة البحثية وأشرت إلى الهامش وأغلقتها بسرعة. فهم الدكتور أنني لا أريد أن يسمع أحد ملاحظاته لي، فأشار إليّ أن أرجع إلى مكاني.

بعدها بدقائق قصدني ووضع قصاصة على بحثي، وقد كتب فيها مثالًا لتوثيق المصدر في الهامش، ثم عاد إلى المنصة وأعاد ثناءه على بحثي، وقال لزملاء الأسبوع القادم:

* اطلعوا على بحث مريم.

وذلك حتى يتسنى لي تصحيح الهوامش.

وأتذكر موقفًا آخر بأسلوب تعليمي مختلف، إذ ترجل من المنصة يومًا ما ومشى نحو مقاعد الطلبة، فظننت أنه يقصدني، فخفت: ماذا فعلت أنا؟

لكنه توقف عند مجلس الأستاذ رعد الذي يتقدمني بمقعد.

ما به رعد؟ ما الذي بدر منه حتى يتجه الدكتور إليه؟

وتوجهت نحوه كل أعين الزملاء.

فما كان من دكتور أحمد إلا أن أزال بعض الغبار الخفيف عن كتف رعد، وعدّل ياقته.

هذا الموقف يعكس الكثير من دقة الملاحظة والتقدير لطالب منهمك بالدراسة، بحيث نسي أن يعدل ياقته ولم ينتبه إلى الغبار الذي أصابه. وهي نصيحة بالحرص على الالتزام بضوابط الاعتناء بالزي الرسمي الخاص بطالب الدراسات الدولية، فقد يكون ممثلًا للبلد يومًا ما.

ومرة أخرى بأسلوب مختلف، يكون فيه الأب الحريص الذي يريد من ابنه الطالب التهيؤ للامتحان لا سجال التعب النفسي والدرجات.

ففي نهاية الفصل الدراسي حدد موعد امتحان، وكانت المادة قليلة، فأخذت أقرأها وأعيد وأعيد حتى أعدتها (12) مرة.

في اليوم التالي، وقبل الامتحان بساعة، سألني زميلي الأستاذ محمد:

* ست مريم، تبدين مجهدة، هل انتحرتِ في القراءة؟

فأجبته:

* لا، لكني أعدتها (13) مرة.

فقال:

* اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله.

وعندما دخل الدكتور القاعة وبدأ يسأل عن التجهز للامتحان، بادره زميلي الأستاذ محمد:

* ست مريم قرأت المادة (13) مرة.

فقال الدكتور:

* خلاص، الامتحان ملغي، كنت أريد أن أعرف كم تقرؤون.

وبالفعل جاءت درجاتنا ممتازة في نهاية الفصل، وأصر معظم الزملاء على توديع الدكتور حتى بوابة الجامعة الرئيسية، وقد ترك في نفوس طلبته ما هو أثمن من ذهب الكلام وفضة المعنى.

الاخلاق
النجاح
العلم
السلوك
الشخصية
المعلم
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    قبلات على يدي أمي فاطمة

    قبلات على يدي أمي فاطمة

    الأثنين 26 تشرين الاول 2026/
    شاهدان من الصخر: نقوش بني عقيل في القرن الأول الهجري

    شاهدان من الصخر: نقوش بني عقيل في القرن الأول الهجري

    الثلاثاء 11 آب 2026/
    وجع الآباء في ليلة الشباب الشهيد

    وجع الآباء في ليلة الشباب الشهيد

    الأحد 19 تموز 2026/
    عبد الله الرضيع.. حجة الرباب وأعجوبة الحسين

    عبد الله الرضيع.. حجة الرباب وأعجوبة الحسين

    الخميس 02 تموز 2026/
    الأمير.. تاج الغدير

    الأمير.. تاج الغدير

    الثلاثاء 02 حزيران 2026/
    لعنة المقارنة

    لعنة المقارنة

    السبت 30 آيار 2026/

    آخر الاضافات

    نادي أصدقاء الكتاب يناقش: سر التوازن

    قصف الطفولة.. كيف تستنزف الشاشات انتباه الأطفال؟

    السيدة الزهراء والأحكام الإلهية… حين يكون الامتثال يقينًا بالحكمة

    الروبيان.. مصدر غني بالبروتين والعناصر الغذائية المفيدة لصحة الجسم

    المرأة وصناعة الأثر.. الزهراء عليها السلام نموذجًا

    من يملك وقتك؟

    التفكير الإيجابي: كيف تتحول الأفكار البناءة إلى سلوك ورفاه وعلاقات أفضل؟

    الناسور العصعصي.. مشكلة صحية تصيب الشباب والرجال أكثر من غيرهم

    آخر القراءات

    زرعك اليوم حصادك غدا

    النشر : الأثنين 07 تشرين الثاني 2022
    اخر قراءة : منذ 30 دقيقة

    رسائل حشود زائري كربلاء

    النشر : الأربعاء 14 ايلول 2022
    اخر قراءة : منذ 30 دقيقة

    اللامبالاة والعالم الأزرق

    النشر : الثلاثاء 02 آب 2022
    اخر قراءة : منذ 30 دقيقة

    بودرة الكاكاو ومشروبه.. طعم لذيذ وفوائد طبية

    النشر : الخميس 26 تشرين الثاني 2020
    اخر قراءة : منذ 30 دقيقة

    حين يرفض الرجل أن يكبر

    النشر : الثلاثاء 13 كانون الأول 2022
    اخر قراءة : منذ 30 دقيقة

    متى يكون العلم نور؟

    النشر : الأربعاء 01 آب 2018
    اخر قراءة : منذ 30 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 780 مشاهدات

    أغصان البخل وحجاب اللقاء.. هل نحن فاطميون حقا؟

    • 498 مشاهدات

    المرأة وصناعة الأثر.. الزهراء عليها السلام نموذجًا

    • 443 مشاهدات

    الخدر العاطفي: حين تتوقف الروح عن الشعور

    • 378 مشاهدات

    من يملك وقتك؟

    • 361 مشاهدات

    طول الطفل بين الجينات ونمط الحياة.. ما العوامل التي تحدد نموه؟

    • 344 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1565 مشاهدات

    في ذكرى ولادتها المباركة: السيدة زينب منارة الصبر ورسالة الوعي المعاصر

    • 1158 مشاهدات

    من ينقذ المسعف؟

    • 1014 مشاهدات

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 780 مشاهدات

    في أكتوبر الوردي… الوعي خطوة نحو الحياة

    • 707 مشاهدات

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    • 542 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    نادي أصدقاء الكتاب يناقش: سر التوازن
    • الخميس 29 تشرين الاول 2026
    قصف الطفولة.. كيف تستنزف الشاشات انتباه الأطفال؟
    • الخميس 29 تشرين الاول 2026
    السيدة الزهراء والأحكام الإلهية… حين يكون الامتثال يقينًا بالحكمة
    • الخميس 29 تشرين الاول 2026
    الروبيان.. مصدر غني بالبروتين والعناصر الغذائية المفيدة لصحة الجسم
    • الخميس 29 تشرين الاول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة