(الرياضيات علم أبله) مقولة لنزار قباني كنت ألوذ بها لأبرر درجاتي المتدنية في مادة الرياضيات. أنهارٌ من دموع الخيبة والحيرة والغضب كنت أجرها بسبب هذه المادة، لا تفهمني ولا أفهمها، ولم أحفظ من مبرهناتها سوى (كل ثلاث نقاط ليست على استقامة واحدة تمر بها دائرة واحدة). في درس الرياضيات لا أشارك في النشاط اليومي بحل التمارين على السبورة، وأخفض رأسي تحت الرحلة، حتى إن المدرّسة صارت تتجنبني رحمةً بي من خجل المشاركة في حل التمارين.
هكذا حتى ظنت أمي أني أعاني من بطء في الاستيعاب، لكن والدي انتفض وشخّص العلة بدقة:
(مريم تخاف؛ هي تخاف فقط، وهي ذكية لو أرادت الطبية لنالتها).
ويأتي الجواب: (منيلها: من أين لها).
هكذا تكفل والدي بمهمة شرح الرياضيات لي برفق دون ضغط أو عصبية أو عقاب، يمنحني الوقت الكافي للفهم لآخذ استراحة، يعيد شرح المسائل لي دون ملل حتى لو أعاد الشرح عشر مرات ويقول: "أنتِ لستِ مطالبة بدرجة، لن أغضب منك إذا رسبتِ". وفعلاً لم أرسب أبداً بفضله. وحين تغيرت المناهج وصعبت على والدي، اصطحبني لجار لنا كبير في السن قدير في التدريس، وكان يحضر معي الدروس يومياً. وحين سأله جارنا عن سر ملازمته لي رغم أن (الحايط على الحايط) قال له: "أنا أحضر مع مريم لأتعلم، وحتى إذا صعب عليها شيء بالبيت أراجعه لها دون أن نزعجك، ولأعلم إخوتها من بعدها في قادم السنوات إن بقي لي عمر".
كان بابا يصر يوم امتحان الرياضيات على مرافقتي إلى باب المدرسة حتى أطمئن ويدعو لي، وحين أعود لا يسألني عن إجابتي ليحرجني.
أحياناً التدريس يحتاج إلى مفاتيح بسيطة جداً ليحل مشكلة طالب وينقذ مصيره. لولا بابا لكنت تركت الدراسة منذ الصف الثالث متوسط. في كل مرة يصادفني كتاب رياضيات أشعر بالامتنان لوالدي أطال الله في عمره، وأحس أني يمكن أن أتصالح مع هذه المادة وأقرأها من جديد.
هكذا تكفل والدي بمساعدتي دراسياً منذ الابتدائية وحتى الدراسات العليا، مع أن تخصص والدي بعيد جداً عن الرياضيات؛ فهو متخرج من الأكاديمية البحرية في الإسكندرية في مصر، ولم يسبق له أن درّس طالباً قبلي بطبيعة الحال، فإن تخصصه بعيد عن العلاقات الدولية (تخصصي الدقيق في الماجستير) وعن الصحافة أيضاً.
ومع ذلك كان والدي يصر على مراجعة مواد العلوم السياسية معي طيلة الطريق الذي نقطعه معاً من البصرة لبغداد حتى أمتحن لنهاية الفصول الدراسية ونهاية العام الدراسي. وكان والدي وقتها في الستينيات من عمره، وعندما كتبت رسالة الماجستير كان والدي قد بلغ السبعين من عمره، لكنه لم يتوانَ عن مساعدتي في البحث عن مصادر تدعم أحد مطالب الرسالة. وفوجئت بتحليل والدي ومتابعته لنشرات الأخبار ليقدم لي الدعم الذي يخص المطلب الذي توقفت عنده واحترت بنتائجه، وحين نقلت ما قاله للدكتور المشرف سألني: "هل بابا متخصص في العلوم السياسية؟".
بابا لا يعرف ما هي العلوم السياسية حتى دخلتها ابنته، هو عرفها لأجل خاطري.
ولا أنسى دعمه المادي والمعنوي وشفقته عليَّ من أعمال المنزل والطبخ، وكان دائماً يقول لي: "الكنس لم يخلق دكتورات ولا مهندسات، أنا أساعدك في التنظيف ونطلب أكلاً من المطعم". وبالطبع لم أوافقه؛ فقلبي لا يطاوعني على ترك مهام المنزل أو التقصير فيها. هكذا رافقني والدي معلماً للرياضيات، ثم العلوم السياسية، فالعلاقات الدولية، وأخيراً الصحافة.





اضافةتعليق
التعليقات