ومثلما لم أفهم الرياضيات إلا من لسان أبي، أطال الله عمره، لا أرد باب الإمام الحسين (عليه السلام وأكرم التحية) إلا من قلب أبي، ولا أنفذ إلى حنان الإمام الحسين (عليه السلام) إلا من شرايين أبي الهادرة حنانًا. والدي الموصوف بالقوة، حين أبلغته مرة أن أخي الأوسط دخل في (غيبوبة سكر)، جلس على الأرض وصلى ركعتي قضاء الحاجة من جلوس، فلم تعنه رجلاه على الوقوف. ومرة أخرى سمع أخي الأصغر يستغيث من الألم في الطابق الثاني، فصعد الدرج إليه زحفًا، وضرب مكانًا في جسمه كان قد أجرى فيه عملية جراحية قبل أيام، دون أن يشعر بالألم من هول صدمته.
لم تغب عني صورة والدي المرعوب على أولاده، وعيناه ترجوان الأقدار ألا تفجعه، بل صرت أرعب من تذكرهما. فأتذكر أبوة الإمام الحسين (عليه السلام) حين تأتي ليلتا تكريم الشباب الشهيد: ليلة القاسم بن الحسن السبط (عليهما السلام)، وليلة علي الأكبر بن الإمام الحسين (عليهما السلام).
ليلتان عراقيتان بامتياز، ليلتان تحييهما الشرايين العراقية، والأوردة العراقية النازفة شبابًا، ليلة من كتبوا قاموس الحزن وأعطوه أبجديته قبل البشرية. ليلة نستخرج للحزن هويته من سجل نفوسنا، وهما من أصعب الليالي الرمزية التي تقام حزنًا على الإمام الحسين (عليه السلام): ليلة علي الأكبر والقاسم (عليهما السلام)، وهي من أثقل الليالي، فالمواساة تنشر شعرها وتخمش وجهها فيها. ليلة رهيبة، أعان الله قلوب الفاقدات وهن يسمعن النشيد الخالد: (يمه ذكريني من تمر زفة شباب).
ليلة نعلم الحزن النطق قبل أن ينطق لسان في هذه البسيطة، ليلة فاقدات الرأي، ليلة المفجوعات بالولد، ليلة من كانت أعمارهم شموعًا في سواتر المجد، ليلة العطاشى المحرومين، ليلة المتشفعين برسول الله (صلى الله عليه وآله)، ليلة الواردين على الكوثر، ليلة تثكل الليالي ولا تسكت إلى الأبد، ليلة تستعر فيها حرارة الجو لتذيق كل قلب بعضًا من (حرارة قلبنا)، ليلة تكوي أقدام النسيم لو تجرأ أن يمر على جمرها، ليلة ولو اطلع عليها برد القطب لاستعر إلى يوم يبعثون، ليلة المتحنين بدمائهم، ليلة المحرومين من فرحة (العرس).
نستذكر عبرها نحن العراقيون ملايين الشباب الذين أطفئت شموع أعمارهم قبل أوانها، وذبلت ورودهم لتنبت في الجنة. ليلة نخبرها جيدًا نحن أهل الفقد، المروعين بالولد.
وهي الليلة الأصدق، ونحن نعيش فيها مع هؤلاء الشهداء الشباب، نحيي عميدهم الشاب الهاشمي الممتلئ كرامة وعنفوانًا، تاج الحق غير المبالي بالموت، الباسم للسيوف، شبيه جده خير الخلق، وهو خصم من لم يحفظ حرمته وأهدر دمه. نستحضر كل الآباء المفجوعين بالولد، أعينهم يغضب لها عرش الرحمن. نستحضر فجيعة الحسين (عليه السلام) وهو يتلقاك شهيدًا. أعان الله قلبك يا أبا عبد الله، سيدي، في ليلتك هذه نجدد العهد، ونستحضر عنفوانك في وجه الظلم، ونمشي بقامتك، فتتقزم قامة الطغيان.








اضافةتعليق
التعليقات