كشفت تقارير متخصصة أن أنظمة الملاحة المعتمدة على الأقمار الصناعية، وعلى رأسها نظام تحديد المواقع العالمي GPS، أصبحت عرضة بشكل متزايد للتشويش والتلاعب خلال النزاعات العسكرية، ما يثير مخاوف متنامية بشأن سلامة الملاحة الجوية والبحرية في مناطق الصراع.
فخلال الساعات الأولى من الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، لاحظت سفن في مياه الشرق الأوسط خللًا غير معتاد في أنظمة الملاحة لديها، حيث لم تعد قادرة على تحديد مواقعها بدقة. وتبين لاحقًا أن السبب يعود إلى عمليات تشويش وتزييف لإشارات الأقمار الصناعية المستخدمة في أنظمة تحديد المواقع.
تعتمد هذه العمليات على بث إشارات راديوية قوية على الترددات نفسها التي يستخدمها نظام GPS، ما يؤدي إلى إرباك أجهزة الاستقبال وجعلها تعطي مواقع غير صحيحة أو تفقد القدرة على تحديد الموقع بالكامل. وتُستخدم هذه التقنية بشكل متزايد لتعطيل توجيه الطائرات المسيّرة والصواريخ التي تعتمد على الملاحة بالأقمار الصناعية.
تأثير مباشر على الملاحة البحرية
أظهر تحليل لبيانات شركة Windward المتخصصة في الذكاء البحري أن التشويش أثّر على حركة السفن في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم والذي يمر عبره نحو 20% من صادرات النفط والغاز العالمية.
وأدى هذا التداخل إلى إبطاء حركة الملاحة، كما أجبر بعض ناقلات النفط على تغيير مساراتها أو إيقاف بث إشارات نظام التعريف الآلي للسفن AIS، وهو النظام الذي يرسل تلقائيًا بيانات الموقع والسرعة واتجاه السفينة بهدف تجنب التصادم.
وقالت ميشيل فيزه بوكمان، كبيرة محللي الاستخبارات البحرية في الشركة، إن تعطل هذه الإشارات يجعل من الصعب معرفة مواقع السفن بدقة، مضيفة أن ظهور السفن على الخرائط وكأنها على اليابسة أو على بعد آلاف الأميال من مواقعها الحقيقية يعد أمرًا خطيرًا للغاية.
وأشارت الشركة إلى رصد 21 منطقة جديدة تعرضت فيها إشارات الملاحة للتشويش خلال أول 24 ساعة من اندلاع الحرب، قبل أن يرتفع العدد إلى 38 منطقة في اليوم التالي.
من جهتها، ذكرت شركة Lloyd’s List Intelligence المتخصصة في بيانات النقل البحري أنها سجلت 1735 حادثة تداخل في إشارات GPS أثرت على 655 سفينة منذ بداية النزاع وحتى الثالث من مارس، واستمرت معظم الحوادث ما بين ثلاث وأربع ساعات.
كما تضاعف عدد الحوادث اليومية أكثر من مرتين، إذ ارتفع من نحو 350 حادثة في بداية الصراع إلى 672 حادثة خلال يومين فقط.
ظاهرة ليست جديدة
يرى الخبراء أن التشويش على أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية، أو ما يعرف بأنظمة GNSS، ليس ظاهرة جديدة، لكنه أصبح أكثر انتشارًا منذ الحرب الروسية-الأوكرانية عام 2022، عندما بدأت الطائرات المسيّرة المعتمدة على نظام GPS تُستخدم على نطاق واسع في العمليات العسكرية.
وبحسب مختصين، أصبحت هذه الظاهرة شائعة في مناطق قريبة من النزاعات مثل بحر البلطيق والبحر الأسود وأجزاء من الشرق الأوسط.
ويقول رامزي فاراغر، مدير المعهد الملكي للملاحة في لندن، إن التشويش أو تزوير إشارات الملاحة يعد وسيلة بسيطة وفعالة لحماية المواقع العسكرية من هجمات الطائرات المسيّرة، لكنه في الوقت نفسه يخلق “ضبابًا إلكترونيًا” يؤثر على السفن والطائرات المدنية.
وأضاف أن الإشارات المدنية القادمة من الأقمار الصناعية عُرفت منذ عقود بأنها عرضة للتشويش، إلا أن خطورة المشكلة تضاعفت مع الانتشار الواسع للطائرات المسيّرة الموجهة بنظام GPS.
مخاطر على الطيران أيضًا
لا يقتصر تأثير التداخل الإلكتروني على الملاحة البحرية فحسب، بل يشكل أيضًا خطرًا على الطائرات التي تمر عبر المناطق المتأثرة.
ففي سبتمبر الماضي، تعرضت طائرة كانت تقل رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين لتشويش على نظام الملاحة أثناء محاولة الهبوط في بلغاريا، ما اضطر الطيارين إلى الاعتماد على الخرائط الورقية لاستكمال عملية الهبوط.
ووفق بيانات الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA)، ارتفع عدد حوادث فقدان إشارات GPS التي أثرت على الطائرات بنسبة 220% بين عامي 2021 و2024.
ويؤكد طيارون تجاريون أن بعض هذه الحوادث تجعل موقع الطائرة على الخرائط يبدو منحرفًا عن مسارها الفعلي بما يصل إلى ميل واحد، كما قد تظهر معلومات ارتفاع غير دقيقة، ما يؤدي إلى تحذيرات خاطئة داخل قمرة القيادة.
لماذا يسهل التشويش على GPS؟
توجد عدة أنظمة عالمية للملاحة عبر الأقمار الصناعية، أبرزها:
GPS الأمريكي
غاليليو الأوروبي
بايدو الصيني
غلوناس الروسي
لكن معظم الإشارات المدنية لهذه الأنظمة متاحة بشكل مفتوح، في حين كانت إجراءات الحماية المتقدمة تقتصر سابقًا على الإشارات العسكرية.
كما أن إشارات GPS تصبح ضعيفة للغاية عندما تصل إلى الأرض بعد قطع مسافة تزيد على 20 ألف كيلومتر من المدار، ما يجعل من السهل نسبيًا التشويش عليها باستخدام أجهزة بث أرضية قوية.
ولتحديد الموقع بدقة يحتاج جهاز الاستقبال عادة إلى الاتصال بإشارات أربعة أقمار صناعية على الأقل.
كيف يظهر التلاعب بالإشارات؟
يمكن ملاحظة التشويش أحيانًا بسهولة على خرائط تتبع السفن، حيث تظهر السفن وكأنها تتحرك في مسارات دائرية أو هندسية منتظمة، أو تقفز فجأة إلى موقع ثابت على اليابسة، مثل مطار أو قاعدة عسكرية.
كما يمكن استخدام التلاعب بالإشارات لخداع السفن عمدًا، سواء للتهرب من العقوبات أو لجرّها إلى مناطق خطرة، وهو أسلوب استخدمه بعض القراصنة في عمليات سرقة بحرية.
هل يقترب عصر ما بعد GPS؟
يرى الخبراء أن النزاعات الحالية قد تمثل أكبر اختبار عملي لقدرة أنظمة الملاحة العالمية على العمل في بيئة تتعرض فيها إشارات الأقمار الصناعية للتشويش أو التلاعب.
وتعمل شركات التكنولوجيا على تطوير حلول مضادة للتشويش، مثل أجهزة استقبال أكثر تطورًا وهوائيات مقاومة للتداخل، إلا أن تحديث الأساطيل الجوية والبحرية بهذه التقنيات يتطلب وقتًا واستثمارات كبيرة.
كما يجري العمل على تطوير تقنيات ملاحة بديلة تعتمد على التقنيات الكمية أو أنظمة مستقلة لا تعتمد على الأقمار الصناعية، لكنها ما تزال في مراحل البحث ولم تصل بعد إلى الاستخدام التجاري الواسع.
وبينما تتسارع وتيرة الحروب الإلكترونية، يرى المختصون أن الاعتماد المطلق على نظام GPS قد يصبح أقل أمانًا في المستقبل، ما يدفع قطاعات النقل والملاحة إلى البحث عن بدائل أكثر موثوقية.








اضافةتعليق
التعليقات