لقد نتج عن عدم محاولتنا تصفية عاداتنا وحياتنا مما يشوبها من عوامل الانحطاط أن ثقافة نهضتنا لم تنتج سوى حرفيين منبثين في أنحاء شعب أميّ.
ونحن مدينون بهذا النقص لرجل (القلة) الذي بتر فكرة النهضة فلم ير في مشكلتها سوى حاجاته ومطامعه، دون أن يلمس فيها العنصر الرئيسي لما في نفسه، فهو لم ير في الثقافة إلا المظهر التافه، لأنها عنده طريقة ليصبح شخصية بارزة، وإن زاد فعلم يجلب رزقاً.
ونتيجة هذا التحريف لمعنى الثقافة متجسدة في ذات ما نسميه: (المتعالم أو المتعاقل) .
والحقيقة أننا منذ خمسين عاماً نعرف مرضاً واحداً يمكن علاجه هو الجهل والأمية، ولكننا اليوم أصبحنا نرى مرضاً جديداً مستعصياً هو (التعالم)، وإن شئت فقل: الحرفية في التعلم، والصعوبة كل الصعوبة في مداواته. وهكذا أتيح لجيلنا أن يشهد خلال النصف الأخير من هذا القرن ، ظهور نموذجين من الأفراد في مجتمعنا: حامل المرقعات ذي الأطمار البالية، وحامل اللافتات العلمية .
فإذا كنا ندرك بسهولة كيف نداوي المريض الأول، فإن مداواتنا للمريض الثاني لا سبيل إليها، لأن عقل هذا المريض لم تيقن العلم ليصيره ضميراً فعالاً، بل ليجعله آلة للعيش وسلماً يصعد به منصة البرلمان. وهكذا يصبح العلم مسخاً وعملة زائفة غير قابلة للصرف. وهذا النوع من الجهل أدهى وأمر من الجهل المطلق، لأنه جهل حجرته الحروف الأبجدية؛ وجاهل هذا النوع لا يقوم الأشياء بمعانيها، ولا يفهم الكلمات بمراميها، وإنما بحسب حروفها، فهي تتساوى إذا ما تساوت حروفها، وكلمة (لا) تساوي عنده (نعم) لو احتمل أن حروف الكلمتين متساوية.
وكلام هذا المتعالم ليس (كتهتهة) الصبي فيها (صبيانية) وبراءة، فهو ليس متدرجاً في طريق التعلم كالصبي، وإنما تتمثل في (تهتهته) تلك شيخوخة وداء، فهو الصبي المزمن .
فلابد من إزالة هذا المريض ليصفو الجو للطالب العاقل الجاد. وعليه فإن مشكلة الثقافة لا تخص طبقة دون أخرى، بل تخص مجتمعنا كله بمن فيه المتعلم والصبي الذي لم يبلغ مرحلة التعلم؛ إنها تشمل المجتمع كله من أعلاه إلى أسفله إن بقي علو في مجتمع فقد حاسة العلو، فأصبحت هذه الحاسة عنده: أفقية زاحفة راقدة.
إن من أوليات واجبنا أن تعود الثقافة عندنا إلى مستواها الحقيقي، ولذلك يجب أن نحددها عاملاً تاريخياً لكي نفهمها، ثم نظاماً تربوياً تطبيقياً لنشرها بين طبقات المجتمع .
معنى الثقافة في التاريخ :
لا يمكن لنا أن نتصور تاريخاً بلا ثقافة، فالشعب الذي يفقد ثقافته يفقد حتماً تاريخه.
والثقافة - بما تتضمنه من فكرة دينية انتظمت الملحمة الإنسانية في جميع أدوارها من لدن آدم - لا يسوغ أن تعد علماً يتعلمه الإنسان، بل هي محيط يحيط به وإطار يتحرك داخله، فهو يغذي جنين الحضارة في أحشائه، إنها الوسط الذي تتكون فيه جميع خصائص المجتمع المتحضر، وهي الوسط الذي تتشكل فيه جميع خصائص المجتمع المتحضر، وهي الوسط الذي تتشكل فيه كل جزئية من جزئياته تبعاً للغاية العليا التي رسمها المجتمع لنفسه، بمن في ذلك الحداد والفنان والراعي والعالم والإمام، وهكذا يتركب التاريخ .
فالثقافة هي تلك الكتلة نفسها بما تتضمنه من عادات متجانسة، وعبقريات متقاربة وتقاليد متكاملة، وأذواق متناسبة وعواطف متشابهة، وبعبارة جامعة: هي كل ما يعطي الحضارة سمتها الخاصة ويحدد قطبيها: من عقلية ابن خلدون، وروحانية الغزالي، هذا هو معنى الثقافة في التاريخ.
معنى الثقافة في التربية :
إذا حاولنا أن نحدد الثقافة بمعناها التربوي، فيجب أن نوضح هدفها وما تتطلبه من وسائل التطبيق.
فأما الهدف فقد اتضح أن الثقافة ليست علماً خاصاً لطبقة من الشعب دون أخرى، بل هي دستور تتطلبه الحياة العامة، بجميع ما فيها من ضروب التفكير والتنوع الاجتماعي، وخاصة إذا كانت الثقافة هي الجسر الذي يعبره الناس إلى الرقي والتمدن، فإنها أيضاً ذلك الحاجز الذي يحفظ بعضهم الآخر من السقوط من أعلى الجسر إلى الهاوية .
وعلى هدي هذه القاعدة، فإن الثقافة تشتمل في معناها العام على إطار حياة واحدة يجمع بين راعي الغنم والعالم جمعاً توحد معه بينهما مقتضيات مشتركة، وهي تهتم في معناها بكل طبقة من طبقات المجتمع فيما يناسبها من وظيفة تقوم بها، وما لهذه الوظيفة من شروط خاصة؛ وعلى ذلك فإن الثقافة تتدخل في شؤون الفرد، وفي بناء المجتمع، وتعالج مشكلة القيادة كما تعالج مشكلة الجماهير .








اضافةتعليق
التعليقات