لم يعد تلوث الهواء والضوضاء في المدن مجرد إزعاج عابر، بل تحوّلا إلى عاملين أساسيين يؤثران في الصحة العامة والسلوك اليومي للسكان، ويدخلان اليوم في صلب تقييم جودة الحياة الحضرية ومستويات الرفاه.
ومع تطور أدوات القياس والخرائط البيئية، بات السؤال المطروح أمام المدن الحديثة هو: كيف يمكن تقليص الضغط البيئي الناتج من الضجيج والتلوث من دون الإخلال بوظائف المدينة الاقتصادية والحياتية؟
في السنوات الأخيرة، ازداد الاعتراف المؤسسي بأن الضوضاء وتلوث الهواء يشكلان معاً ما يمكن وصفه بـ«التلوث المزدوج»، حيث يتعرض سكان المدن، خصوصاً الكبرى منها، لمزيج متزامن ودائم من الأصوات المرتفعة والهواء الملوث، ما ينعكس آثاراً جسدية ونفسية وسلوكية تتجاوز الفرد إلى المجتمع ككل.
هذا التداخل بين العاملين لا يؤثر فقط في الصحة الجسدية، بل يطال الأداء الذهني والقدرة على التركيز وجودة النوم وضبط الانفعال. وتشير دراسات عدة إلى أن التعرض المستمر للضوضاء يضعف كفاءة النوم، فيما يضيف تلوث الهواء عبئاً جسدياً إضافياً، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق وسرعة الاستجابة الانفعالية في الحياة اليومية، سواء في العمل أو أثناء القيادة أو في الأماكن العامة.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن الضوضاء البيئية لم تعد تُصنّف بوصفها مجرد «إزعاج»، بل كعامل خطر صحي، تماماً مثل ملوثات الهواء، لما لها من علاقة بارتفاع معدلات بعض الأمراض وتراجع الرفاه العام. ولهذا تجمع المنظمة بيانات جودة الهواء والضوضاء في المدن حول العالم، بهدف تقدير حجم التعرض السكاني وربطه بما يُعرف بـ«عبء المرض».
في المدن الحديثة، غالباً ما تنبع الضوضاء والتلوث من مصادر مشتركة، أبرزها حركة النقل الكثيفة، والكثافة السكانية العالية، والبنية العمرانية التي تضع الطرق السريعة داخل الأحياء أو بمحاذاتها. ولا يعني ذلك بالضرورة أن الأثر يتضاعف حسابياً، لكنه يجعل الضغط البيئي أكثر حدة واستمرارية.
وتشير تقارير أوروبية إلى حجم المشكلة، ففي منطقة باريس الكبرى، على سبيل المثال، يُقدَّر أن نحو 80 في المئة من السكان يتعرضون في الوقت نفسه لمستويات من الضوضاء وتلوث الهواء تتجاوز توصيات منظمة الصحة العالمية. كما يظهر البعد الاجتماعي للمشكلة، إذ غالباً ما تسكن الفئات الأقل دخلاً قرب مصادر التلوث، ما يطرح مسألة العدالة البيئية إلى جانب الكلفة الصحية والاقتصادية.
أمام هذا الواقع، اتجهت السياسات الحضرية في عدد متزايد من المدن إلى حلول عملية بدل الاكتفاء بالشعارات. فعلى مستوى التخطيط، يجري الحد من اختراق الطرق السريعة للأحياء السكنية، وتوسيع المساحات الخضراء، وخفض السرعات في مناطق السكن، وهي إجراءات أظهرت الدراسات أنها تقلل مستويات الضغط النفسي اليومي.
كما يُنظر إلى تطوير نقل عام فعّال بوصفه أحد أهم أدوات معالجة التلوث المزدوج، إذ إن أي سياسة تقلل الاعتماد على السيارات الخاصة تساهم تلقائياً في خفض الضوضاء وانبعاثات الهواء معاً. وقد اعتمدت مدن أوروبية عدة مناطق منخفضة الانبعاثات، كما في لندن، حيث سُجل تراجع ملحوظ في بعض الملوثات، خصوصاً قرب الطرق المزدحمة.
وعلى المستوى المحلي، تشمل الإجراءات تحسين العزل الصوتي في المباني الحساسة مثل المدارس، وتنظيم أعمال البناء وساعات الضجيج، إلى جانب تعزيز الشفافية في نشر بيانات جودة الهواء، ما يساعد السكان وصناع القرار على فهم الواقع البيئي بعيداً من الانطباعات الفردية.
ورغم أن هذه السياسات لا تقضي على المشكلة بالكامل، فإنها تؤكد أن الضوضاء وتلوث الهواء ليسا قدراً محتوماً، وأن إدارة المدن تلعب دوراً حاسماً في تحسين جودة العيش والصحة والسلوك داخل الفضاء الحضري.








اضافةتعليق
التعليقات