ليست العاشر من محرم مجرد صفحةٍ مطويةٍ في سجلات الزمان، ولا هي حادثةٌ عابرةٌ في تضاريس الجغرافيا، بل هي "الفجيعة الكبرى" التي لا تزال تصبغ أفق الوجود بلون الشفق الدائم.
إنها تلك اللحظة التي انشطر فيها التاريخ إلى نصفين: عالمٌ قبلها كان يغرق في سبات الضمير، وعالمٌ بعدها استيقظ على صرخةِ حقٍّ لا تموت.
إن البحث عن فجيعةٍ توازيها هو بحثٌ في سراب، فما جرى في كربلاء لم يكن قتالاً على حدود أو نزاعاً على عروش، بل كان صداماً كونياً بين النور الذي أراد الانعتاق، والظلمة التي أرادت احتكار الأفق.
أولاً: رمزية الفجيعة.. حين يصبحُ الألمُ بوصلةً
تتوارى فجائع الأرض أمام فجيعةِ كربلاء فكل مأساةٍ إنسانيةٍ لها أمدٌ وتنتهي، ولها نسيانٌ يعقبها.
أما كربلاء فهي الجرح الحي الذي يرفض الاندمال، لأنها لم تكن فجيعة فردٍ سُلب حقّه، بل فجيعة إنسانيةٍ سُلبت كرامتها.
رمزيةُ الفجيعة هنا تكمن في أن الحسين لم يكن يُصارع أعداءه فحسب، بل كان يُصارع الموت الأخلاقي للأمة. لقد قُتل الحسين، لكن قتله كان ولادةً لمعنى التضحية؛ فصار الموتُ في ظلالِ الحق هو الحياة الأبدية، وصار البقاءُ في كنفِ الباطل هو الموت الحقيقي الذي لا حياة فيه.
ثانياً: التضحيةُ في أقصى تجلياتها.. القربانُ الذي أحيا الأموات
إذا سألنا التاريخ عن مضحٍّ يضاهي الحسين، سيصمتُ التاريخُ خجلاً؛ لأن تضحية الحسين لم تكن تضحيةً محسوبةً بالخسارة والربح.
لقد قدّم الحسين كل ما يملك: نفسه، وأهله، وصبيةً لا ذنب لهم، حتى رضيعاً لم يجد في الكون سوى سهمٍ ليُنهي ظمأه. هذه التضحية هي الرمز المطلق للوفاء بالمبدأ.
لقد حوّل الحسين الدم إلى مدادٍ يكتب به الأحرار دستور كرامتهم. التضحية هنا ليست في الفقد بل في الارتقاء حيث تحول الجسد الممزق إلى منارة، وتحولت الخيمة المحترقة إلى مدرسةٍ لا تُغلق أبوابها، يُعلم فيها الحسينُ الأجيالَ أن القوة ليست في كثرة السلاح، بل في صدقِ الموقف حين يخذلُ الجميع.
ثالثاً: المقارنة المستحيلة.. كربلاء كحالةٍ كونية
قد نجد أبطالاً في الأساطير أو التاريخ، لكنهم يظلون أسرى الزمان والمكان.
أما الحسين، فقد كسر قيد الزمان. إن الفجيعة التي جسدها هي المرآة التي ينظر فيها كل مظلومٍ ليرى انعكاسَ وجعه، وهي الميزان الذي تزن فيه الشعوب أحرارها. لا يمكن لأي تضحية أن تضاهي تضحية الحسين لأنها لم تكن تضحيةً في سبيل أرض بل في سبيل إنسان.
لقد منح الحسين للإنسانية معنىً للوجود، وجعل من العطش في كربلاء نهراً من العزة يتدفق في عروق الأجيال، ليظل السؤالُ قائماً: أيُّ عظمةٍ تلك التي تجعل من مقتولٍ منتصراً، ومن فجيعةٍ عيداً للكرامة؟
إنّ كربلاء تظلُّ هي الحد الفاصل بين الوجود والعدم وهي تذكرنا بأن التضحية الحقيقية ليست أن تموت، بل أن تترك خلفك أثراً يجعل القتلة يشعرون بهزيمتهم رغم أنهم أحياء، ويجعلُ الشهداء يشعرون بانتصارهم رغم أنهم رحلوا، هي الفجيعة التي تمنحنا الحياة وهي التضحية التي تمنحنا المعنى.








اضافةتعليق
التعليقات