• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

هيهات منا الذلة… عاشوراء من الصرخة إلى المعنى

زينب شاكر السماك / الأثنين 29 حزيران 2026 / ثقافة / 658
شارك الموضوع :

في عالمنا المعاصر، تتكرر كربلاء بأشكال مختلفة. قد لا تكون سيوفًا ورماحًا، لكنها قد تكون كلمة حق في بيئة يسودها الصمت

في كربلاء الحسين (عليه السلام)، لا تنتهي الحكاية عند حدود الزمن، ولا تُطوى صفحاتها بانقضاء يوم العاشر من المحرم، لأن الطف لم تكن معركة سيفٍ ورمحٍ فحسب، بل كانت معركة وعيٍ إنساني ما زال يتجدد في كل عصر. وحين نقرأها بعيون الحاضر، ندرك أنها ليست حدثًا مضى وانتهى، بل سؤالٌ مفتوح يتردد في ضمير الإنسان: أين تقف حين يُمتحن المبدأ؟

في إحدى ليالي كربلاء، حيث كان المخيم يستعد لامتحان الفجر الأخير، لم يكن الصمت مجرد غيابٍ للأصوات، بل كان امتلاءً باليقين والثبات. يروي السيد ابن طاووس في كتاب اللهوف على قتلى الطفوف أن الإمام الحسين (عليه السلام) جمع أصحابه وأهل بيته وقال: «إني لا أعلم أصحابًا أوفى ولا خيرًا من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي». لم تكن تلك الكلمات ثناءً عابرًا، بل شهادة خالدة على نموذج إنساني فريد، تتحول فيه الأخوّة إلى موقف، والولاء إلى مسؤولية، والإيمان إلى فعلٍ يُترجم على أرض الواقع.

لم تكن معركة الطف مواجهةً بين جيشين فحسب، بل كانت مواجهة بين رؤيتين للحياة: رؤية ترى النجاة في البقاء بأي ثمن، ورؤية ترى الحياة الحقيقية في صون الكرامة ولو كان الثمن الحياة نفسها. ومن هنا جاءت الصرخة الخالدة للإمام الحسين (عليه السلام): «ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة». إنها ليست عبارة تاريخية تُروى، بل مبدأ أخلاقي خالد يُقاس به الإنسان كلما وُضع أمام خيار التنازل عن قيمه أو الثبات عليها.

لقد قدّم أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) صورة استثنائية للأخوّة القائمة على العقيدة والوعي. فلم يكن ارتباطهم بالإمام ارتباط جندٍ بقائد، بل ارتباط أصحاب رسالة بقضية آمنوا بها حتى الرمق الأخير. وحين أذن لهم الإمام بالانصراف ليلة العاشر، اختاروا البقاء بإرادتهم الحرة، مؤكدين أن الوفاء الحقيقي لا يُصنع بالإكراه، بل بالاقتناع العميق بعدالة القضية.

وعندما نتحدث عن وفاء الاخوة ووفاء العقيدة في معركة الطف لابد ان نذكر أبو الفضل العباس (عليه السلام) بوصفه أحد أعظم نماذج الوفاء في التاريخ الإسلامي. فهو لم يكن مجرد حامل لواء أو بطلٍ في ساحة القتال، بل كان تجسيدًا حيًا لمعنى الأخوّة حين ترتقي إلى مستوى الرسالة. ففي زيارة الناحية المقدسة نقرأ: «السلام على أبي الفضل العباس بن أمير المؤمنين، المواسي أخاه بنفسه، الآخذ لغده من أمسه، الفادي له، الواقي الساعي إليه بمائه، المقطوعة يداه». وهنا لا تختزل شخصية العباس (عليه السلام) في البطولة العسكرية، بل تتجلى في معناها الأعمق؛ أن يكون الإنسان امتدادًا لوفائه قبل أن يكون امتدادًا لذاته.

لكن كربلاء لم تقدّم بطولة أفرادٍ منعزلين، بل قدّمت منظومة متكاملة من القيم والمبادئ. فكل شهيد فيها كان فكرةً تمشي على الأرض، وكل موقف فيها كان درسًا أخلاقيًا يتجاوز حدود الزمان والمكان. وحين سقط مسلم بن عوسجة شهيدًا، وقف الإمام الحسين (عليه السلام) عنده قائلاً: «رحمك الله يا مسلم، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر». وكأن الشهادة لم تكن نهاية الرحلة، بل بداية حضورٍ آخر يتجاوز الجسد إلى المعنى.

ومن هنا فإن استحضار واقعة الطف اليوم لا يهدف إلى البكاء على حدثٍ مضى، بقدر ما يهدف إلى استعادة رسالتها الجوهرية. فالسؤال الذي طرحته أرض الغاضرية قبل أكثر من ألف عام ما زال حاضرًا بقوة: أين يقف الإنسان عندما تتعارض القيم مع المصالح؟ لذلك تبقى عاشوراء مدرسةً فكرية وإنسانية مفتوحة، تعيد تعريف الشجاعة والحرية والمسؤولية في كل قراءة جديدة.

وفي عالمنا المعاصر، تتكرر كربلاء بأشكال مختلفة. قد لا تكون سيوفًا ورماحًا، لكنها قد تكون كلمة حق في بيئة يسودها الصمت، أو موقفًا أخلاقيًا في مجتمع يضغط باتجاه المنفعة، أو رفضًا للظلم في مؤسسة أو شارع أو حتى داخل النفس البشرية. وهنا يعود السؤال الحسيني ليفرض حضوره: هل تنحاز إلى المبدأ أم إلى السلامة؟

لقد رأى كثير من الباحثين في السيرة الحسينية أن أحد أعظم دروس كربلاء هو قدرتها على تحويل الألم إلى وعي، والدم إلى مشروع نهضة مستمرة. ولهذا لم يبقَ الإمام الحسين (عليه السلام) حاضرًا في الوجدان الإسلامي فحسب، بل أصبح رمزًا إنسانيًا عالميًا لكل من يبحث عن الحرية والكرامة والعدالة.

وفي اللحظات الأخيرة من يوم عاشوراء، حين وقف الإمام الحسين (عليه السلام) وحيدًا في ظاهر المشهد، لم يكن وحيدًا في الحقيقة؛ لأن منطق كربلاء يؤكد أن صاحب الحق لا يكون وحيدًا وإن خذله الناس جميعًا. فالحق ليس عددًا، بل موقف، وليس قوةً مادية، بل قوةُ يقين.

واليوم، حين نتأمل عاشوراء بعين البصيرة، ندرك أنها ليست بكاءً على الماضي، بل بناءً للمستقبل. ليست ذكرى تُستحضر فحسب، بل قيمة تُمارس ومعيارًا يُحتكم إليه في تفاصيل الحياة اليومية. ولذلك تبقى كلمات الإمام الحسين (عليه السلام): «كونوا أحرارًا في دنياكم» دعوةً مفتوحة لكل إنسان يسعى إلى أن يعيش حرًا في فكره، كريمًا في موقفه، أمينًا على مبادئه.

وهكذا تبقى ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) سؤالًا لا ينتهي، يتجدد مع كل جيل: هل نعيش عاشوراء بوصفها طقسًا يُستذكر، أم قيمةً تُمارس؟ وبين الصرخة التي أطلقها الحسين في كربلاء والمعنى الذي ما زال يصنع الوعي حتى اليوم، تبقى «هيهات منا الذلة» مشروعًا أخلاقيًا خالدًا للإنسانية جمعاء.

عاشوراء
الامام الحسين
المجتمع
السلوك
الظلم
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    أول يوم مدرسة.. حين تبدأ الحكاية قبل أن يرنّ الجرس

    أول يوم مدرسة.. حين تبدأ الحكاية قبل أن يرنّ الجرس

    الثلاثاء 29 ايلول 2026/
    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    السبت 05 ايلول 2026/
    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    الأحد 23 آب 2026/
    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    السبت 15 آب 2026/
    غريبُ الغرباء... وأنيسُ النفوس

    غريبُ الغرباء... وأنيسُ النفوس

    الخميس 13 آب 2026/
    بعد الأربعين تبدأ المواساة… إلى أمير المؤمنين في ذكرى رحيل النبي الأكرم

    بعد الأربعين تبدأ المواساة… إلى أمير المؤمنين في ذكرى رحيل النبي الأكرم

    الأثنين 10 آب 2026/

    آخر الاضافات

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟

    كلمات تبني الطفل.. حين يصبح الحب مسموعًا

    الكتابة ليست مجرد هواية.. كيف تعيد تشكيل الدماغ وتقوي المرونة النفسية؟

    أثر العدوان اللفظي في تربية الأطفال

    ثمانية تجعلك تسعى للتقرب من أصدقاء أبنائك ومصادقتهم

    خيوط جديدة لفهم التصلب المتعدد.. فيروس كامن والتهاب مزمن في دائرة الاشتباه

    ما الذي تمنحه الألعاب للكبار؟

    التخطيط الناجح.. أربعة أعمدة تصنع الفرق

    آخر القراءات

    دراسة جديدة: مكملات أوميغا 3 لا تُظهر فاعلية في تحسين الذاكرة أو الوقاية من الخرف

    النشر : الثلاثاء 30 حزيران 2026
    اخر قراءة : منذ 56 دقيقة

    في نهاية 2023ما هي العقبات التي تواجه المرأة؟

    النشر : السبت 25 تشرين الثاني 2023
    اخر قراءة : منذ 56 دقيقة

    العدس بأنواعه المختلفة.. لحم الفقراء

    النشر : الأثنين 06 نيسان 2020
    اخر قراءة : منذ 57 دقيقة

    نبي الكوفة

    النشر : السبت 15 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 57 دقيقة

    حملة تزوجني بدون مهر.. تتصدر مواقع التواصل والصحف

    النشر : السبت 04 ايلول 2021
    اخر قراءة : منذ 57 دقيقة

    الشباب بين الآلام والآمال...!

    النشر : الأثنين 01 آيار 2017
    اخر قراءة : منذ 57 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    الأجهزة المحمولة تهدد بشرة الأطفال بـمتلازمة الجلد المحمص

    • 310 مشاهدات

    التربية الإسلامية للطفل.. من الرعاية المبكرة إلى بناء الشخصية

    • 309 مشاهدات

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (١)

    • 302 مشاهدات

    فيتامين "F".. التسمية القديمة لأحماض دهنية أساسية تحمي القلب والدماغ والبشرة

    • 298 مشاهدات

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    • 298 مشاهدات

    التمايز الذاتي: كيف نحمي أنفسنا من الاستنزاف العاطفي؟

    • 292 مشاهدات

    لماذا تملّ القلوب؟ قراءة نفسية وتربوية في حكمة علوية

    • 762 مشاهدات

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    • 622 مشاهدات

    الاستعداد النفسي للولادة.. حين تكون الطمأنينة نصف الطريق إلى الأمومة

    • 525 مشاهدات

    سننظر: منهج البحث عن الحقيقة

    • 516 مشاهدات

    أصداء : حين يرمم الأثرُ انكسارَ السند

    • 489 مشاهدات

    الإمام الحسن العسكري… دروسٌ في صناعة المنتظر

    • 487 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟
    • منذ 13 ساعة
    كلمات تبني الطفل.. حين يصبح الحب مسموعًا
    • منذ 13 ساعة
    الكتابة ليست مجرد هواية.. كيف تعيد تشكيل الدماغ وتقوي المرونة النفسية؟
    • منذ 14 ساعة
    أثر العدوان اللفظي في تربية الأطفال
    • الأثنين 05 تشرين الاول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة