لم يترك الله الأرض تشتاق للحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله دون أن يعطيها سلوانًا وذكرى خالدة تخفف عنها ألم الاشتياق، ألا وهو الورد الأحمر.
على الرغم من أن معراج النبي محمد صلى الله عليه وآله لم يستمر طويلًا، بل كان لليلة واحدة، كما أفادت الروايات الشريفة أنه لم يطلع الفجر إلا وهو بمكة، كما يظهر منها أنه لم تدركه فريضة وهو في معراجه، إذ إن الإسراء قد وقع بحسب الرواية، وكان النبي صلى الله عليه وآله قد صلى العشاء الآخرة... ويظهر من عددٍ من الروايات أن الإسراء والمعراج لم يكن من أول الليل، بل كان بعد مضي وقتٍ منه، كما يستفاد ذلك مما ورد من أنه كان نائمًا فأيقظه جبرئيل ومعه ميكائيل وإسرافيل، ثم حمل على البراق فأُسري به، وفي تفسير العياشي: عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى العشاء الآخرة، وصلى الفجر في الليلة التي أُسري به بمكة».
من كتاب طب الأئمة، عن الحسن بن منذر يرفعه، قال: لما أُسري بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء حزنت الأرض لفقده وأنبتت الكبر ـ الكبر: بفتحتين شجر الأصف ـ فلما رجع إلى الأرض فرحت فأنبتت الورد، فمن أراد أن يشم رائحة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فليشم الورد الأحمر.
وفي حديث آخر: لما عُرج بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم عرق، فتقطر عرقه إلى الأرض، فأنبتت من العرق الورد الأحمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من أراد أن يشم رائحتي فليشم الورد الأحمر». المصدر: مكارم الأخلاق للطبرسي، ج١، ص٤٤.
أيها القارئ الكريم، لقد أنبت الله الورد الأحمر من تعرّق النبي صلى الله عليه وآله ليلة المعراج، وأروى به عطش اشتياق الأرض بعطر الجوري، لكي لا تبقى الأرض في حيرة وحزن.
ولكن ماذا عن اليوم، ونحن في عصر غيبة الإمام المهدي عليه السلام؟ هل ترك الله سبحانه البشرية في حيرة، تشتاق لإمام زمانها دون أن يخفف عنها ألم الاشتياق ولوعة الفراق؟ كلا، بل ترك لها رموزًا تروي ظمأها وتنير بصيرتها بالتأمل والتدبر بهذه الرموز.
منه الماء الذي يسقي الكائنات الحية بالحياة، فهو يرمز إلى الإمام المهدي عليه السلام، حيث يسقي أرواح المؤمنين بالأمل والسرور، لتنبض قلوبهم بانتظار الفرج.
عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام، قال: قلت: ما تأويل قول الله عز وجل: «قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ»، فقال عليه السلام: «إذا فقدتم إمامكم فلم تروه، فماذا تصنعون؟» المصدر: كمال الدين وتمام النعمة.
في دعاء الندبة: «مَتَى نَنْتَقِعُ مِنْ عَذْبِ مَائِكَ فَقَدْ طَالَ الصَّدَى»؟
وانتقع بمعنى ارتوى من بارد الماء حتى انقطع غليله وابتلت عروقه وذهب عطشه واستقر فؤاده لارتوائه بعد اضطراب. ومعنى الصدى هو شدة الظمأ، ولا يكون حتى يبلغ حدًا يجف معه الدماغ والعروق ويُشرف واجده على الهلاك، فهذه المرتبة من الظمأ هي التي يُعبَّر عنها بالصدى.
ومفاد الفقرة المذكورة هي المناشدة للإمام المهدي عليه السلام بأن يعجّل على ظهوره، فهي مناشدة بلسان الشكاية والسؤال، المعبّر عن الاستبطاء والشوق والحنين ليوم الظهور.
ومنه الضياء الذي يرمز لنور الاتصال بالإمام المهدي، وهذا الاتصال يبث في النفوس السرور والنشاط، ويخلصهم من الحيرة والشعور بالضيق في غيبته، فضلًا عن ظهوره الشريف، كما ورد في رواية المفضل بن عمر عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: «إن قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربها، واستغنى العباد عن ضوء الشمس، وذهبت الظلمة...» (كتاب الإرشاد للشيخ المفيد).
كما ورد في زيارة الإمام المهدي عليه السلام: «اللهم صل على حجتك في أرضك، وخليفتك في بلادك، والداعي إلى سبيلك، والقائم بقسطك، والثائر بأمرك، وولي المؤمنين، وبوار الكافرين، ومجلي الظلمة، ومنير الحق، والساطع بالحكمة والصدق،........ ونور أبصار الورى».
وهذا التعبير يمثل حقيقة البصيرة التي يهبها الإمام المهدي عليه السلام، بإذن الله، للمؤمنين المنتظرين في غيبته قبل ظهوره.
روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «من مات وهو منتظر لهذا الأمر كمن هو مع القائم في فسطاطه، ثم مكث هنيئة، ثم قال: لا، بل كمن قارع معه بسيفه، ثم قال: لا والله، إلا كمن استشهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله». المصدر: منتخب الأثر: 498.
من هناك كان الارتباط بصاحب الزمان عليه السلام يندمج مع تكوين الإنسان وطبيعته الفطرية التي تميل للأمل والنور والحياة الرغيدة، والعكس صحيح، من أعرض عن ذكر ولي الله وعن الارتباط به وانتظار فرجه، يعش الضنك والاختناق من حيث لا يشعر؛ لأنه يغط في ظلام وضلال وضياع، ويفتقد مصدر النور والأمل، ويعرض عن ماء الحياة، حيث ورد في زيارة آل ياسين الشريفة: «السلام عليك يا عين الحياة».
كل من أحب الإمام المهدي واشتاق إليه وذكر اسمه يشعر بالطمأنينة والأمان والسلام، ثم يخرج من عالم الذات والأنا إلى عالم رحيب يعكس بكل جزئياته جمال وجهه المبارك، ويرى الوجود مرآة لكمالات الإمام المهدي، ويراه في كل شيء جميل يحيط به، في السماء والماء والطبيعة والبحر والجبال... إلخ، وصولًا إلى مرحلة الارتواء من عذب مائه، واستشعار أن جذور الروح كالوردة التي لا يمكن أن ترتوي إلا من عذب ماء الإمام المهدي عليه السلام.
فهو الماء الذي يروي ويجعل الورد ينبض بالحياة.
وبعد أن عرفنا حكاية الورد الأحمر، نترك للقارئ الكريم سؤالًا: عندما غاب النبي محمد صلى الله عليه وآله عن الأرض، ترك لمشتاقيه الورد الأحمر، ولكن ماذا ترك الورد الأحمر عندما غاب عن محبيه؟!







اضافةتعليق
التعليقات