قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْلَئَبِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}.
يصاب الإنسان بالحيرة من أمره في كثير من الأحيان، فماذا يعمل؟
إن هذه حالة يبتلي بها الجميع في مرحلة ما من مراحل حياتهم، أو في بعض أعمالهم، يقول علماء النفس: إن بقاء الإنسان في حيرة من أمره يسبب له الاضطراب في حياته، لذا عليه أن يتخلص من الحيرة بطرق مناسبة وسليمة، فقد أجرى بعض خبراء علم النفس اختباراً عملياً ميدانياً في هذا المجال، فذهبوا لبعض المدارس الثانوية وسألوا الطلاب هذا السؤال: ما هو طموحك المستقبلي؟ فأجاب بعضهم قائلاً: لا أدري، أو لم أقرر ذلك حتى الآن، وأجاب البعض الآخر، وبين طموحه أن يريد أن يكون طبيباً - مثلاً - والآخر يريد أن يكون مهندساً، والآخر طياراً وتاجراً وهكذا، فدون الخبراء هذه المعلومات، وبعد سنوات طوال، راجعوا نفس الطلاب الذين أخضعوهم للسؤال، فوجدوا أن الطلاب الذين أجابوا بكلمة: لا ندري، أو لم نقرر مستقبلنا بعد، وجدوهم لا يزالون متحيرين، وأما الذين قرروا مصيرهم فلاحظ الخبراء أن أكثرهم وصلوا إلى ما يريدون.
هذه تجربة ميدانية عملية، لذا فإن الإنسان المتحير ستضر به هذه الحالة، وأما الذي يقرر مصيره ويخطط له فسيصل إلى ما يريد عادة، إذا لم تكن هناك موانع اضطرارية، وبناء على ذلك، يجب على الإنسان أن لا يكون في حيرة من أمره، وحينما نراجع الشرع المقدس سنجد أنه هيأ أسباب الخروج من الحيرة، وذلك عن طريق الفكر والاستشارة أولاً، ثم عن طريق الاستخارة، فقد وردت عدة روايات تبين لنا كيفية الاستخارة، فعن اليسع القمي قال:« قلت لأبي عبد الله عليه السلام أريد الشيء وأستخير الله فيه فلا يوفق فيه الرأي - إلى أن قال - فقال: افتتح المصحف فانظر إلى أول ما ترى فخذ به إن شاء الله» .
فإذا بقي الإنسان متحيراً، يقدم قدماً ويؤخر أخرى، ويعمل بأمر فيتركه ويعمل بغيره، ويعمل بثالث ثم يعود إلى الأول وهكذا.... فلن يصل إلى نتيجة لأن العمل إذا لم يكن متواصلاً لا يصل إلى نتيجة أو إلى الأمر المرجو، فاقطع الحيرة بالخيرة، وهذا لا يعني ترك الاستشارة، بل يجب أن يفكر الإنسان ويستعين بأهل الاختصاص، وربما يبقى في حيرة من أمره كما لو اختلفت آراء من يستشيرهم فيزداد حيرة، فيجب أن يقرر ولا يبقى محتاراً.
إذن، عندما يصل الأمر إلى الحيرة فيجب قطعه ولو بالقرعة و توجد لدينا كثير من الأحكام الشرعية التي يمكن أن نصل بها إلى النتيجة من خلال القرعة، لأن: «القرعة لكل أمر مشكل»، ليصل الأمر إلى نتيجة .
ويقول الكاتب كان لدى الوالد رحمه الله مجموعة أصول في الحياة، منها: أصالة العمل، بمعنى أنه إذا دار الأمر بين أن تعمل هذا العمل أم لا، فاختر جانب العمل؟ وإذا استشرت أو استخرت وكانت الخيرة متوسطة، ولم تحل المشكلة، فالأصل الأخذ بالعمل، أي: أقدم على العمل، وسوف يبارك الله عز وجل بالإنسان الذي يقدم {وَقُلِ اعْمَلُوا} فالأصل هو العمل، وإذا كان عندك شك، فاقطع الشك باليقين، وتوكل على الله واعمل، قال تعالى: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)، وبناءً على ذلك فلا ينبغي أن يكون الإنسان في حياته محتاراً، بل عليه أن يقطع الحيرة باليقين، ويختار أحد الطريقين والسير فيه.
نقرأ في إحدى زيارات الإمام الحسين: "وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة"، فهناك مسلمون يعيشون الحيرة بسبب عدم وضوح العقيدة الصحيحة بالله وبالرسول لديهم، وعندما يرتاب الإنسان تضطرب حياته لذا ثمة تأكيد شديد على ذلك: يقول الله تعالى في آية كريمة: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، فلا يجد الإنسان حرجاً في نفسه، فإذا شعر بالحرج في نفسه فمعنى هذا أن إيمانه غير كامل ومن لم يسلم من حيث العمل فليس بمؤمن.
إن الحضارة الغربية اليوم لها أدوات، ومنها: وسائل الإعلام المختلفة، فهذه الحضارة تختلف جوهرياً مع كثير من مفردات وأصول الحضارة الإسلامية لأنها قائمة على مجموعة من الماديات، وأما الحضارة الإسلامية فهي إلهية قائمة على خير الدنيا والآخرة، لذا يوجد تعارض وتقاطع يصعب معه تطبيق الكثير من الأحكام الشرعية في الواقع، بحيث لا يستطيع الإنسان الملتزم العيش وفقاً لدينه الإسلامي، ففي فرنسا - مثلاً - منع الحجاب في المدارس الحكومية، حتى أن العائلة المسلمة تختار بين أن تكسب ابنتها العلم، أو تترك الدين، وفي مكان آخر أرغم الاستعمار الفرنسي المزارعين على زراعة العنب أكثر من حاجتهم للأكل، والعنب الفائض تشتريه معامل الخمور، وهكذا ربطوا حياة مجموعة كبيرة من المسلمين بالخمر مع أنه: «لعن رسول الله صلى الله عليه واله في الخمر عشرة: غارسها وحارسها وبايعها ومشتريها، وشاربها والآكل ثمنها وعاصرها، وحاملها والمحمولة إليه وساقيها ).
وبناء على ذلك، فإن المسلم لا يستطيع أن يعيش في بلده كما يريد، فيشعر كثير من الناس بحرج حتى لو لم يصرح بكلامه، وإذا شعر أحدهم بالحرج من أحكام الشرع فهو ليس بمؤمن، وللأسف هناك الكثير لا يشعرون بالحرج فقط، بل يبدأون بالتكلم ضد أحكام الشرع، وإذا أراد أحدهم أن يظهر نفسه كمتدين فإنه يغلف ذلك بغلاف ديني وعقلي، وإذا لم يكن متديناً فإنه يقول: (لا نقبل هذا الحكم من أساسه)، فيؤدي الأمر إلى إنكار معنى الكثير من الآيات والروايات.








اضافةتعليق
التعليقات