حين يقول الطفل: «أشعر بالملل»، يسارع كثير من الآباء إلى تقديم لعبة، أو تشغيل مقطع مرئي، أو البحث عن نشاط يملأ وقته، تنطلق هذه الاستجابة من الحرص على سعادته، لكنها تثير سؤالًا تربويا مهما: هل يحتاج الطفل إلى برنامج متواصل من التسلية؟
تشير بعض الكتابات التربوية إلى أن إتاحة وقت غير منظم قد تمنحه فرصة لاكتشاف اهتماماته، وتجربة أفكار يختارها بنفسه، بعيدا عن انتظار المقترحات الجاهزة من الآخرين.
الملل بوصفه دافعا إلى الاكتشاف
الملل شعور غير مريح، لكنه قد يؤدي وظيفة مفيدة حين يدفع الإنسان إلى البحث عن تجربة مختلفة، وقد عرضت «الجزيرة نت» نتائج اختبارات أجراها باحثون في جامعة سنترال لانكشاير البريطانية، تشير إلى أن الشعور بالضجر قد يرتبط بتوليد الأفكار والرغبة في ممارسة أنشطة جديدة، فعندما يفقد النشاط المعتاد جاذبيته، يصبح البحث عن البدائل احتمالا واردا، وقد تتحول لحظات الفراغ إلى بداية لفكرة مبتكرة، وفي هذا السياق، ينقل التقرير توصية بإعطاء الأطفال فرصة لتجربة الملل، حتى يتعلموا ابتكار وسائل تسليتهم بأنفسهم، ومع ذلك، ينبغي التعامل مع هذه الفكرة بدقة، فالتقرير لا يوضح أن المشاركين في الاختبارات كانوا أطفالًا، ولذلك لا يمكن اعتباره دليلا مباشرا على أن الملل يزيد إبداع جميع الأطفال، لكنه يفتح بابا لفهم الدور المحتمل للضجر في تحريك الفضول والبحث عن الجديد.[١]
جدولة الوقت وحدود التدخل الأبوي
تتناول مجلة «رواحل» ميل بعض الأسر إلى ملء إجازات الأطفال بالدورات والرياضات والأنشطة، بحيث يصعب العثور على وقت يقرر فيه الطفل ما يريد فعله، ورغم قيمة هذه الأنشطة، فإن المبالغة في تنظيمها قد تقلل فرص المبادرة الذاتية، وتنقل المجلة عن الباحثة تيريزا بيلتون أن توقع انشغال الأطفال باستمرار قد يعرقل نمو خيالهم، كما تعرض تجربة الكاتبة ميرا سيال التي وجدت في ملل طفولتها دافعا إلى الكتابة.
وتشير المجلة كذلك إلى أن تقديم الشاشة فور ظهور الضجر يختصر فرصة البحث عن بدائل، فحين يتولى الهاتف مهمة التسلية سريعا، لا تتاح للطفل دائما تجربة اختيار نشاط أو ابتكار لعبة، ومن هنا تبرز أهمية دور الأهل في الإرشاد والمساندة، مع ترك مساحة يستطيع خلالها الطفل أن يبدأ فكرة ويطورها، بدل أن يتلقى تفاصيل يومه جاهزة.[٢]
اللعب الحر وصناعة المتعة
إن اللعب غير المنظم يمنح الطفل حرية الاختيار، دون إلزامه بنتيجة يحددها الكبار مسبقا، فقد يتجه إلى الرسم، أو تركيب المكعبات، أو اختراع قصة، وتتيح هذه الأنشطة فرصا للتجريب وحل المشكلات واتخاذ القرار، كما قد تتسع للتعاون مع الآخرين، وتكمن قيمتها في مشاركة الطفل في صنع تجربته، واكتشاف استخدامات للأشياء المتاحة حوله، من خلال موازنة للعلاقة بين الملل والإبداع، حيث يتأثر بالظروف وطريقة التعامل مع الشعور بالملل، وقد يدفع نقص التحفيز إلى البحث عن أفكار، بينما يؤدي الضغط أو الشعور بأن المهمة تفوق القدرة إلى استجابة مختلفة، لذلك لا يصح تقديم الملل وصفة مضمونة للابتكار.[٣]
كيف نمنح الفراغ قيمة تربوية؟
إن توفير بيئة بسيطة تحتوي على كتب وألوان وألعاب بناء، تسمح للطفل بالاختيار والاستكشاف، فإتاحة وقت حر لا تعني تركه دون اهتمام، وإنما مساعدته تدريجيا على إيجاد ما يفعله بنفسه، ويظل حضور الوالدين مهما لتقديم الدعم حين يحتاج إليه، مع منحه فرصة كافية للمحاولة.[٣]
وعملياً، يمكن استقبال عبارة «أشعر بالملل» بهدوء، ثم سؤال الطفل عما يرغب في تجربته، وإذا لم يجد فكرة، يمكن اقتراح خيارين مفتوحين، وترك تفاصيل التنفيذ له، فقد يختار إعداد بطاقة، أو تأليف حكاية، أو بناء منزل صغير من المكعبات، وهذه أمثلة تطبيقية مقترحة لتوضيح كيفية تحويل الوقت الحر إلى مساحة للاختيار، وليست تجارب بحثية وردت في المصادر، ويستحسن أن يتعامل الأهل مع المحاولة دون مطالبة الطفل بإنتاج عمل مميز في كل مرة، فقد يبدأ نشاطا ثم يتركه، أو يعدل خطته، أو يكتشف أنه يفضل شيئا آخر.
وفي هذا التصور التربوي، تكون قيمة الوقت الحر في التجربة نفسها، وفي إتاحة قرار صغير يستطيع الطفل اتخاذه وتحمل نتيجته، دون تحويل فسحة اللعب إلى واجب إضافي، فمنح الأطفال وقتا غير مبرمج يستدعي توازنا بين الرعاية وحرية المبادرة، فالأنشطة المنظمة توسع خبراتهم، والفسحات الحرة تمنحهم مجالا لاختيار ما يفعلونه بهذه الخبرات، وقد تبدأ الفكرة بشكوى من الملل، ثم تتشكل بالتدريج لعبة أو حكاية، وما يحتاج إليه الطفل في هذه اللحظة هو بيئة متاحة، وأهل يصغون إليه، ووقت يسمح له بأن يحاول.








اضافةتعليق
التعليقات