يسعى الإنسان دائماً إلى السعادة، ويحاول تجنب الألم، لكنه يكتشف أن الفرح لا يبقى على شدته، وأن بعض المتع تفقد بريقها بالتكرار، وقد يدفعه ذلك إلى البحث عن تجارب أشد إثارة، ظنا أن زيادة المتعة تضمن استمرار الرضا، غير أن فهم العلاقة بين المشاعر والدماغ يكشف صورة أكثر تعقيدا، فالاستقرار النفسي يرتبط بقدرتنا على التكيف وتنظيم استجاباتنا، وبالطريقة التي نتعامل بها مع المكافآت والضغوط، ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين الاتزان الداخلي للجسم، والتكيف العصبي، والوعي بالمشاعر.
الاتزان الداخلي: الأساس الذي ينظم الجسم
يُطلق مصطلح «الاستتباب»، أو «الاتزان الداخلي»، على العمليات التي يحافظ الجسم بواسطتها على استقرار بيئته الداخلية ووظائفه ضمن الحدود الملائمة للحياة، ويوضح دليل MSD الطبي أن الأجهزة العضوية تتواصل لتنظيم عملها وفق احتياجات الجسم، وأن الجهاز العصبي اللاإرادي والغدد الصماء يؤديان دورا أساسيا في هذا التنسيق، فعندما تتغير حاجة الجسم إلى الماء أو الطاقة، تتولد استجابات تساعده على استعادة الاستقرار.[1]
لكن الانتقال من تنظيم السوائل والحرارة إلى تفسير السعادة يتطلب حذرا، فالاستتباب مفهوم فسيولوجي واسع، ولا يكفي وحده لتفسير التجربة النفسية، لذلك، لا يصح اختزال الحزن والفرح في معادلة آلية تفترض أن الدماغ يعقب كل لحظة سعادة بجرعة مساوية من الألم.
لماذا تتراجع متعة الأشياء المتكررة؟
في مقابلة نشرتها CNN بالعربية، تشرح الدكتورة آنا ليمبكي، أستاذة الطب النفسي وعلوم السلوك بجامعة ستانفورد، أن الدوبامين يؤدي دوراً محورياً في تعزيز السلوك وتكراره، فحين يرتبط نشاط بمكافأة يتعلم الدماغ العودة إليه، وتظهر المشكلة عندما تتكرر المحفزات الشديدة بصورة مفرطة، فيتكيف مسار المكافأة معها، وقد تتراجع الاستجابة وتزداد الحاجة إلى التحفيز.[2]
يساعد هذا الشرح على فهم المفارقة بين وفرة وسائل الترفيه واستمرار الشعور بعدم الرضا، فالقدرة على الوصول إلى محتوى ممتع طوال اليوم لا تعني بالضرورة امتلاك حياة مُرضية، وقد يتحول البحث عن التجديد إلى عادة تستهلك الوقت، بينما تترك احتياجات أخرى بلا استجابة، مثل التواصل الإنساني أو الإنجاز أو الراحة، ومن المفيد هنا الفصل بين المتعة والسعادة، فالمتعة قد تصف إحساسا سارا مرتبطا بتجربة محددة، بينما يمكن النظر إلى الرضا عن الحياة باعتباره تقييما أوسع يشمل العلاقات والمعنى والقدرة على إدارة اليوم.
وتقدم حالات الإدمان مثالا سريريا واضحا على تغير الاستجابة مع التكرار، وتوضح مايو كلينك أن الشخص قد يحتاج، بمرور الوقت، إلى جرعات أكبر من المادة للوصول إلى النشوة، ثم قد يحتاج إليها لمجرد الشعور بأنه بحالة جيدة، وعند محاولة التوقف، يمكن أن تظهر رغبة شديدة في التعاطي وأعراض انسحاب.[3]
وعلى المستوى التأملي، يدعونا ذلك إلى مراجعة دوافع عاداتنا: هل نختار النشاط لأننا نستمتع به فعلا، أم لأن التوقف عنه يضعنا أمام ملل أو توتر لا نرغب في مواجهته؟
هذا السؤال لا يصدر حكما أخلاقيا، لكنه يفتح مساحة لفهم العلاقة بين السلوك والحاجة التي يحاول تلبيتها.
الألم ليس شرطا للسعادة
قد يُساء فهم الحديث عن التوازن، فيُستنتج أن تعمد الألم طريق مضمون إلى السعادة، أو أن المعاناة ضرورة ينبغي البحث عنها، وهذه نتيجة لا تبررها المصادر السابقة، فشرح التكيف مع المكافآت لا يمنح الألم قيمة علاجية مطلقة، ولا يبرر تجاهل الأذى أو الاستمرار في ظروف مؤذية، وفي الحياة اليومية، يمكن التمييز عمليا بين مشقة مرتبطة بهدف نختاره، وبين ضرر يستنزفنا، فالجهد المبذول في التعلم يختلف عن الحرمان المستمر من النوم، والخلاف الذي يُعالج بالحوار يختلف عن علاقة تتكرر فيها الإساءة.
ويساعد هذا التمييز على تجنب تحويل فكرة التوازن إلى دعوة لتحمل كل شيء، مهما كانت كلفته، كما أن تقبل المشاعر لا يعني الاستسلام لأسبابها يستطيع الإنسان الاعتراف بحزنه مع السعي لتغيير وضعه، والإقرار بتعبه مع طلب المساعدة، وتمنح هذه النظرة المشاعر مكانها بوصفها جزءا من التجربة الإنسانية، دون أن تجعلها أوامر تحدد كل قرار، و يبرز هنا دور اليقظة الذهنية، وتعرض مايو كلينك التركيز الذهني باعتباره حضورا واعيا في اللحظة الراهنة، وتشير إلى إمكان الاستفادة منه في التعامل مع التوتر والقلق والألم، كما تربطه بتنمية الوعي بالمشاعر والقدرة على الاستجابة لها، وتعرض ممارسات بسيطة، مثل الانتباه للحواس وملاحظة إحساس الجسد.[4]
ويمكن ترجمة ذلك إلى موقف يومي: عندما يشعر شخص بالضيق، يتوقف قليلًا قبل فتح هاتفه، ويسأل نفسه عما يشعر به وما يحتاجه، ربما يحتاج إلى استراحة، أو حديث، أو إنجاز مهمة مؤجلة، وقد يختار الترفيه، لكن بعد إدراك حالته، والقيمة في هذا المثال هي استعادة مساحة للاختيار، دون الادعاء بأن الوقفة القصيرة تعيد ضبط الدوبامين مباشرة.
ومن هذا المنظور، يصبح الوعي تدريبا على الملاحظة قبل الحكم، فبدل وصف النفس بالضعف عند الشعور بالملل، يمكن تسمية الشعور والبحث عن سياقه، وبدل مطاردة الفرح بوصفه واجبا دائما، يمكن السماح لليوم بأن يضم درجات مختلفة من النشاط والهدوء والانفعال.
في النهاية إن الاتزان النفسي لا يعني ثبات المزاج أو اختفاء الألم، بل يمكن فهمه باعتباره قدرة على عبور الحالات المختلفة مع قدر من الوعي والمرونة، فلا نطالب الفرح بأن يدوم، ولا نقرأ الحزن بوصفه نهاية الطريق وحين نفهم حدود التفسير العصبي، وننتبه إلى عاداتنا واحتياجاتنا، يصبح البحث عن السعادة أكثر واقعية: حياة تتسع للمتعة، وتحتمل المشقة، وتمنح المعنى والعلاقات نصيبهما من الاهتمام.








اضافةتعليق
التعليقات